ثمة ارتباط وثيق بين المشروع الصهيوني ممثلا في الكيان الإسرائيلي وأرض سيناء، فالمؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد في مدينة بازل السويسرية يوم 29 أغسطس 1897، برئاسة تيودور هرتزل، الأب الروحي لإسرائيل، كان أهم قراراته إقامة وطن قومي لليهود بدلا من التيه في كل بقاع العالم، ومن بين مقترحات كندا وأستراليا وأوغندا وشبه جزيرة سيناء، تم اختيار الأخيرة لتكون نقطة لمشروع الدولة الصهيونية الكبرى، بالوعد الإلهي المزعوم من النيل إلى الفرات.
هرتزل الذي أنقذ بالمال السياسي اليهود من أزمنة التيه، جاء إلى مصر في 23 مارس 1903 على متن السفينة النمساوية «سميراميس»، لبحث إمكانية توطين اليهود في سيناء، حاملًا بين أضلعه حلمًا أسماه «فلسطين المصرية»، لتكون وطنًا لليهود، الأمر الذي فشل تنفيذه بالمال والنفوذ السياسي، فعوضتهم بريطانيا العظمى بمنحهم حق إقامة وطن لليهود في فلسطين. ولكن ما فشل فيه هرتزل حققه الكيان الصهيوني بقوة السلاح عام 1967 في أعقاب حرب الأيام الستة، ولم ينعم الحلم الإسرائيلي بالاستمرار فتحول إلى كابوسٍ بنصر أكتوبر عام 1973، ولكن هل تخلت إسرائيل يومًا عن حلمها في سيناء؟
بيد أن سيناء هي المبتغى الجيوسياسي للمشروعي الصهيوني منذ اللحظة الأولى، فالفشل في احتلالها للأبد وعقد اتفاقية سلام بين تل أبيب والقاهرة، جعل أمام إسرائيل خيارات أخرى.
مشروع عمره 23 عامًا
في عام 2000 وضع جيورا آيلاند، رئيس قسم التخطيط في جيش الاحتلال ورئيس مجلس الأمن القومي الأسبق، خطة استخباراتية سياسية لاستغلال سيناء، تقضي بين تفاصيل بنودها توسيع رقعة قطاع غزة الفلسطيني من خلال اقتطاع جزء من سيناء وضمها لحيازته.
آيلاند في خطته التي وضعت قبل 23 عامًا أشار إلى تنازل مصر عن مناطق من سيناء لقطاع غزة، وتكون مساحة تلك المناطق المتنازل عنها 720 كليومترًا، وحددها بأن تكون مستطيلًا ضلعه الأول يمتد على طول 24 كيلومترًا على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غربًا حتى العريش، وبعرض 20 كيلومترًا داخل سيناء.
تلك المساحة التي حددها الضابط الإسرائيلي رفيع المستوى يضاف إليها شريط يقع غرب كرم أبو سالم جنوبًا، ويمتد على طول الحدود بين الأراضي المحتلة ومصر، الأمر الذي يعني زيادة مساحة قطاع غزة إلى ثلاثة أضعاف.
خطة جيورا عُرضت على مصر وحملها إلى قصر الاتحادية دنيس روس المبعوث الأمريكي، وكان سعر بيع أراضينا آنذاك 12 مليار دولار ومساحة من الأراضي في النقب، ولكن الرئيس الأسبق حسني مبارك رفض الأمر بشكل قاطع.
أم الكيان
ليس سرًا ولا خفيًا على أحد، أن الولايات المتحدة الأمريكية «أم الكيان»، وما تضعه تل أبيب من خطط ومشروعات لا يتم دون تنسيق وتعاون كامل مع واشنطن، وتجلى هذا بوضوح في أعقاب تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في 2017، والذي كان من بين دعايته السياسية خطة لإحلال السلام بين فلسطين وإسرائيل، تم الإعداد لها تحت إشراف مستشاره وصهره جاريد كوشنر، وسميت إعلاميًا بـ «صفقة القرن»، والتي قبل أن يسدل الستار عن مسودتها النهائية، ضمت في بنودها السياسية توسيع قطاع غزة ليمتد إلى سيناء أو في أسوأ الأحوال تنفيذ عمليات نزوح جماعية من القطاع الفلسطيني للأراضي المصرية، بحسب سياسيون فلسطينيون وإسرائيليون وأمريكيون، اطلعوا على بنودها قبل إعلانها الرسمي في 2020.
ورغم النفي الأمريكي لذلك البند الخطير، إلا أن جيلا جامليئيل، وزيرة شؤون المساواة الاجتماعية الإسرائيلية السابقة ووزيرة المخابرات الإسرائيلية، قالت في تصريحات خلال 2017: «لا يمكن إقامة دولة فلسطينية سوى في شبه جزيرة سيناء المصرية»، الأمر الذي يؤكد النوايا الإسرائيلية الأمريكية، بالإضافة إلى خطة جيوار آيلاند.
أيضًا مسئولون فلسطينيون قالوا في تصريحات لرويترز في 2019، إنهم اطلعوا على صفقة القرن قبل إعلانها، والشق السياسي فيها يتضمن توسيع رقعة قطاع غزة ليمتد إلى شمال سيناء.
الموقف المصري
مصر ردت سريعًا على كل تلك التسريبات والدعوات والمخططات، فقال الرئيس عبد الفتاح السيسي لـ جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس الأميركي، خلال لقاء جمعهما في 2019: «سيناء لن تكون أبدًا جزء من صفقة القرن».
هذا التأكيد تزامن مع تأكيد آخر على لسان سامح شكري وزير الخارجية، في تصريحات تليفزيونية، مشددًا على أن لن يكون هناك تنازل عن «ذرة رمل من أراضي سيناء التي استشهد من أجلها العديد من المصريين دفاعًا عنها وسعيًا لاسترجاعها، متابعًا: «ليس هناك أي شيء يستطيع أن ينتقص من السيادة المصرية على أرض سيناء».
تأكيد فلسطيني على الموقف المصري
الموقف المصري الذي طالته الشائعات وآلات التضليل الإعلامية، أكده نبيل أبو ردينة وزير الإعلام الفلسطيني، الذي قال في أثناء مؤتمر صحفي القاهرة عام 2019، إن مصر رفضت توطين الفلسطينيين في سيناء ضمن بنود صفقة القرن.
وزاد أبو ردينة في تصريحاته، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال للرئيس الأسبق محمد مرسي إبان فترة حكم الإخوان، إن هناك خطة لتوطين سكان غزة في سيناء، ورد عليه الأخير: «إيه المشكلة إنهم يعيشوا في سيناء؟، إحنا ممكن ناخدهم يعيشوا في شبرا كمان»، على حد قوله.
إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عبر في تصريحات خلال 2019، عن ارتياح الحركة للموقف المصري الواضح الرافض لصفقة القرن، واصفًا الحديث عن توسيع رقعة غزة باقتطاع أراض من سيناء بالـ«خزعبلات»، قائلًا: «لا دولة في غزة ولا دولة دون غزة»
محاولات تنفيذ الخطة قسرًا
في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، نشر إيدي كوهين، الصحفي الإسرائيلي المقرب من الموساد، نداء لسكان قطاع غزة بالنزوح إلى مصر حفاظًا على حياتهم، فقال في تغريدة عبر منصة إكس: «يا سكان غزة اهربوا إلى مصر وانقذوا حياتكم وحياة أسركم.. حماس اختارت التضحية بكم وبمنازلكم كرمًا لإيران».
ولمن يتابع عن كثب، فكوهين الذي نشر الوثيقة المزيفة التي تفيد بيع قناة السويس للكيان التابع له، وسيل من التغريدات بمعلومات مزيفة كونه آلة تضليل إعلامية، لا ينشر من إرادته الحرة أو تفكيره الذهبي، إنما ينفذ تعليمات واضحة تشير إلى مخطط أوضح.
الرسالة التي بعث بها كوهين تلقتها الأجهزة المصرية، فمصادر رفعية المستوى حذرت من دفع الفلسطينيين النازحين تجاه الحدود المصرية وتغذية دعوات النزوح الجماعي، وقالت بشكل حاسم إن السيادة المصرية ليست مستباحة.
مصر على لسان المصادر أكدت أن دعوات النزوح الجماعي من غزة كفيلة بتفريغ القطاع من سكانه وتصفية القضية الفلسطينية، داعيةً سلطات الاحتلا بضرورة إيقاف العمليات العسكرية فورًا، وإيجاد ممرات إنسانية لنجدة سكان قطاع غزة بعد ما تعرضوا له من قصف ودمار في أعقاب طوفان الأقصى.






















