أكد الخبير الاقتصادي وائل بركات أن الاقتصاد العالمي يقف حاليًا عند مفترق طرق تاريخي، في ظل تحولات متسارعة في موازين القوى الاقتصادية وتصاعد التوترات الجيوسياسية والتقلبات المالية، ما يثير تساؤلات واسعة حول قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز المرحلة الراهنة أو دخوله فترة طويلة من الاضطرابات.
وقال بركات، عبر صفحته الشخصية بموقع “فيسبوك”، أن المشهد الاقتصادي العالمي أصبح أكثر تعقيدًا مقارنة بالعقود الماضية، موضحًا أن النظام الاقتصادي لم يعد محكومًا بقوة واحدة أو مجموعة محدودة من الدول كما كان في السابق، بل يتجه تدريجيًا نحو نظام متعدد الأقطاب تتنافس فيه قوى اقتصادية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي إلى جانب دول آسيوية صاعدة واقتصادات ناشئة بدأت تلعب دورًا أكبر في التجارة والاستثمار والطاقة.
تحول في موازين الاقتصاد العالمي
وأوضح أن هذا التحول في موازين القوى الاقتصادية لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يتشكل تدريجيًا عبر سنوات طويلة من التغيرات في الإنتاج والتكنولوجيا وحركة التجارة العالمية، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عندما يتقاطع مع أزمات سياسية أو اقتصادية عالمية، كما يحدث حاليًا مع التوترات الجيوسياسية والتنافس التجاري والتحولات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأشار بركات، إلى أن الاقتصاد العالمي، رغم التعقيدات الراهنة، يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات، لافتًا إلى أن التاريخ الاقتصادي شهد أزمات كبرى مثل الأزمات المالية والحروب وفترات الركود، إلا أن الاقتصاد العالمي تمكن في نهاية المطاف من إعادة تنظيم نفسه واستعادة مسار النمو، مستندًا إلى شبكة واسعة من المصالح والابتكارات والقدرات البشرية.
التحديات الحالية
وأضاف أن أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في موجات التضخم التي شهدتها العديد من الاقتصادات خلال السنوات الأخيرة، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، ما دفع البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة في محاولة لاحتواء التضخم، وهو إجراء ضروري لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض.
ولفت إلى أن العالم يشهد أيضًا إعادة تشكيل تدريجية لسلاسل الإمداد العالمية، حيث بدأت بعض الدول والشركات مراجعة مواقع الإنتاج ومصادر التوريد بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات السياسية أو الصحية أو الاقتصادية، وهو تحول قد يغير خريطة التجارة العالمية، لكنه قد يفتح في المقابل المجال أمام مراكز إنتاج جديدة وفرص اقتصادية مختلفة.
وأكد بركات، أن التكنولوجيا تلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، خاصة مع تسارع التحولات الرقمية والتطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتقنيات المالية، وهي تطورات تخلق قطاعات اقتصادية جديدة وتغير طبيعة العمل والإنتاج، وقد تثير بعض المخاوف على المدى القصير لكنها غالبًا ما تسهم في تعزيز الإنتاجية وفتح آفاق جديدة للنمو.
وأوضح أن التغير في التوازنات الجيوسياسية يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في المرحلة الراهنة، حيث لم يعد التنافس بين القوى الكبرى يقتصر على التجارة أو التكنولوجيا فقط، بل امتد ليشمل النفوذ الاقتصادي والسياسي في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما يدفع الدول إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والاستثمار في الابتكار والبنية التحتية.
وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يمر في الواقع بمرحلة انتقالية أكثر منه أزمة شاملة، موضحًا أن النظام الاقتصادي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يشهد تحولات تدريجية تعكس واقعًا عالميًا جديدًا تتوزع فيه القوة الاقتصادية على عدد أكبر من الدول والمناطق، وهو ما قد يؤدي إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وتنوعًا.
وفي ختام تحليله، أكد بركات، أن التقلبات الاقتصادية العالمية قد تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين من خلال تأثيرها على أسعار السلع والطاقة وفرص العمل والاستثمار، إلا أن الاقتصاد العالمي بطبيعته يمر بدورات من التوسع والتباطؤ، وغالبًا ما تسبق فترات التحول الكبرى مراحل جديدة من النمو.
وشدد على أن مستقبل الاقتصاد العالمي لن يتحدد بقوة دولة واحدة أو قطاع بعينه، بل بقدرة المجتمعات والاقتصادات على التكيف مع التغيرات واستثمار الفرص التي تخلقها التحولات التكنولوجية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن التاريخ الاقتصادي يثبت أن الاقتصاد العالمي قد يواجه عواصف قوية، لكنه نادرًا ما يتوقف عن الحركة.





















