أكد خالد فواز، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ«الحرية»، أن العالم أصبح قائمًا على منظومة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل شديدة التعقيد، بحيث تمتد آثار أي أزمة تقع في دولة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، إلى مختلف دول العالم، نتيجة تشابك سلاسل الإمداد العالمية وتبادل السلع والخدمات ورؤوس الأموال والمعلومات.
وأوضح فواز أن جائحة كورونا عام 2020 كانت نموذجًا واضحًا لهذا الترابط، بعدما أدى توقف الإنتاج والتجارة في عدد من الدول إلى اضطراب الاقتصاد العالمي بأكمله، مؤكدًا أن التطور الذي شهده الاقتصاد الدولي جعل لكل دولة ميزة نسبية في إنتاج سلعة أو خدمة معينة، وهو ما زاد من ترابط الأسواق العالمية، بحيث يؤدي تعرض أي دولة منتجة لأزمة إلى اضطراب الأسواق حتى مع وجود احتياطيات استراتيجية لدى الدول الأخرى، بسبب زيادة الطلب خلال فترات الأزمات.
الصراع يتجاوز إيران وإسرائيل
وأشار إلى أن الأزمة الحالية لا تقتصر على الصراع بين إيران وإسرائيل، بل تمتد إلى الولايات المتحدة والدول العربية أيضًا، في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت اقتصادية وشركات غربية في المنطقة، لافتًا إلى أن إيران تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، أبرزها قدرتها على استهداف منشآت عسكرية أو بنية تحتية، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يمنحها تأثيرًا مباشرًا على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية ونسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وأضاف أن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز ينعكس مباشرة على حركة التجارة المتجهة إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس وصولًا إلى أوروبا، وهو ما يهدد سلاسل الإمداد العالمية ويرفع تكاليف التجارة.
دروس من التاريخ
وأشار فواز إلى أن ما يشهده العالم اليوم يعيد إلى الأذهان انهيار العصر البرونزي المتأخر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، عندما أدى تزامن الحروب واضطراب التجارة والجفاف إلى انهيار عدد من القوى الكبرى، موضحًا أن الترابط الاقتصادي ليس ظاهرة حديثة، لكنه أصبح أكثر تعقيدًا في العصر الحالي.
أبرز التداعيات الاقتصادية للحرب
وأوضح الخبير الاقتصادي أن استمرار الحرب قد يقود إلى مجموعة من التداعيات الاقتصادية المهمة، أبرزها:
* ارتفاع أسعار النفط والطاقة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، مع اتجاه الدول إلى زيادة مخزوناتها الاستراتيجية، بما يرفع الطلب والأسعار.
* اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح إذا تعرضت الممرات البحرية للخطر، وهو ما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل، خاصة بالنسبة للسلع سريعة التلف.
* ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، بما ينعكس على أسعار الواردات، ثم ينتقل إلى أسعار السلع داخل الأسواق المحلية، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.
* زيادة الضغوط على الموازنات العامة في الدول المستوردة للطاقة والغذاء، وهو ما قد يدفع بعض الحكومات إلى ترشيد الإنفاق أو تعديل بعض الضرائب أو إعادة ترتيب أولويات الدعم وفق ظروف كل دولة.
* زيادة موجات الهجرة والنزوح نحو الدول الأكثر استقرارًا، بما يرفع الطلب على الغذاء والطاقة والإسكان والخدمات العامة، ويشكل ضغوطًا إضافية على الموارد.
الذهب ملاذ آمن
وأكد فواز أن أسعار الذهب غالبًا ما ترتفع خلال الأزمات، باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها المستثمرون والأفراد والبنوك المركزية للحفاظ على قيمة أموالهم في أوقات عدم اليقين، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الذهب والنفط والدولار تظل علاقة معقدة وغير ثابتة، إذ قد تتحرك هذه الأصول في الاتجاه نفسه خلال بعض الفترات، بينما تختلف اتجاهاتها في فترات أخرى وفقًا للظروف الاقتصادية والسياسات النقدية.
كيف تواجه الدول تداعيات الأزمات؟
وشدد الخبير الاقتصادي على أن تعزيز الأمن الاقتصادي أصبح ضرورة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، موضحًا أن ذلك يتطلب تنمية الإنتاج المحلي، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة، وزيادة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر الاستيراد والطاقة، والتوسع في الاستثمار بالأمن الغذائي، وعلى رأسه زراعة القمح والمحاصيل الاستراتيجية، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي للحد من اتساع الصراعات.
واختتم فواز تصريحاته بالتأكيد على أن التوصل إلى اتفاق سياسي دائم يتطلب معالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وملف تخصيب اليورانيوم، باعتباره أحد أبرز ملفات الخلاف في أي مفاوضات، محذرًا من أن عدم التوصل إلى تفاهمات مستقرة قد يبقي المنطقة عرضة لموجات جديدة من التوترات خلال السنوات المقبلة، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية على الإقليم والعالم.



















