أكد الخبير الاقتصادي جون لوكا أن نشاط البنوك المركزية في عمليات شراء وبيع الذهب يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في إدارة الاحتياطيات العالمية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتداعيات الحرب المفتوحة مع إيران.
وأوضح لوكا أن عام 2026 شهد تبايناً واضحاً في سياسات البنوك المركزية تجاه المعدن النفيس، حيث واصلت دول ناشئة مثل بولندا وأوزبكستان وكازاخستان والصين تعزيز مشترياتها من الذهب بكميات ملحوظة، مشيراً إلى أن بولندا سجلت أكبر عمليات شراء بأكثر من 20 طناً خلال شهر واحد. في المقابل، لجأت دول مثل روسيا وتركيا إلى بيع جزء من احتياطياتها الذهبية.
المبيعات لا تعكس تراجعًا في الثقة
وأشار إلى أن هذه المبيعات لا تعكس تراجعاً في الثقة بالذهب، بل ترتبط بضغوط مالية وسيولة ناجمة عن ارتفاع الإنفاق العسكري والحاجة إلى دعم العملات المحلية في مواجهة تقلبات الأسواق.
وقال لوكا: «رغم بعض عمليات البيع المحدودة التي فرضتها الظروف الطارئة، فإن الاتجاه العام للبنوك المركزية لا يزال يميل بقوة نحو زيادة حيازات الذهب، باعتباره أداة رئيسية للتنويع وتقليل المخاطر الجيوسياسية والعقوبات، إضافة إلى كونه وسيلة تحوط من التضخم الناتج عن اضطرابات الطاقة».
وأضاف أن استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما يصاحبها من تهديدات مرتبطة بمضيق هرمز، أسهم في ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف التضخمية، وهو ما عزز الطلب على الذهب كملاذ آمن، رغم تأثير ذلك مؤقتاً على ما وصفه بـ«التكلفة الفرصية» لحيازته.
وأوضح الخبير أن الصين واصلت زيادة احتياطياتها من الذهب للشهر السادس عشر على التوالي، لتتجاوز 2300 طن، بما يمثل نحو 10% من إجمالي احتياطياتها، لافتاً إلى أن دولاً مثل الهند وعدد من دول آسيا الوسطى تمضي في الاتجاه نفسه بهدف تقليل الاعتماد على العملات الغربية وتعزيز الاستقلال المالي.
وأكد أن هذا السلوك يعكس تحولاً أوسع في النظام المالي العالمي، حيث أصبح الذهب جزءاً أساسياً من استراتيجيات التحوط لدى البنوك المركزية في مواجهة المخاطر غير التقليدية.
وبشأن توقعات أسعار الذهب، قال لوكا إن المعدن النفيس سيظل قوياً على المدى المتوسط والطويل حتى نهاية 2026، مدعوماً باستمرار الطلب من البنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية، رغم احتمالات التقلبات قصيرة الأجل نتيجة تغيرات أسعار الفائدة أو انخفاض أسعار النفط.
وأضاف أن أي تهدئة محتملة في الصراع مع إيران قد تخفف الضغوط التضخمية مؤقتاً، لكنها لن تغير الاتجاه الصعودي العام للذهب، في ظل استمرار توجه الدول نحو تنويع احتياطياتها.
واختتم لوكا قائلاً: «البنوك المركزية تعلمت الدرس جيداً خلال السنوات الأخيرة، فالذهب لم يعد مجرد أصل تقليدي، بل أصبح أداة لضمان الاستقلال المالي في عالم شديد التقلب».





















