في الساعات الأخيرة، وقف رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، أمام جماهير بلاده، فخورا وسعيدا ، عقب انتهاء مرافعة أحفاد الايقونة الراحل نيلسون مانديلا أمام محكمة العدل الدولية ، الذين أثبتوا بشكل قاطع وحاسم ارتكاب الكيان الصهيوني جرائم ابادة جماعية في قطاع غزة ، ليتحدث بكلمات كاشفة لمدى التطور الملهم الذي آل إليه الحال في بلاده التي عانت كثيرا من الظلم والفصل العنصري ، ولكنها الآن، في تقديري، باتت هي الإجابة ، التي يبحث عنها الكثيرون.
بوضوح يستلهم نهج “مانديلا” ، نطق راما فوزا ، بكلمات حق تستحق الشكر شعبيا والدراسة والتدبر والتأمل في مراكز صنع القرار العربي ، وأسطرها هنا بإجلال وتقدير، حيث قال الرجل :”بينما كان محامونا يدافعون عن قضيتنا ..القضية الفلسطينية.. في لاهاي، لم أشعر قط بالفخر الذي أشعر به اليوم.. ولعل البعض يقول إن الخطوة التي اتخذناها محفوفة بالمخاطر، نحن بلد صغير ولدينا اقتصاد صغير، وقد يهاجموننا، لكننا سنظل متمسكين بمبادئنا، ولن نكون أحرارا حقا ما لم يتحرر الشعب الفلسطيني أيضا”.
تأخذنا هذه الكلمات الأصيلة إلى معرفة السر المحفز لهذا التحدي، ففي العام 1948، وبالتزامن مع النكبة الفلسطينية، صعد الحزب الوطني (حزب الأفارقة البيض) لسدة الحكم ، وأخذ تطبيق سياسة الأبارتيد (الفصل العنصري) بشكل رسمي، حيث حكم 4 مليون أبيض ، ما يقرب من 29 مليون أسود، بكل أصناف العنجهية والصلف والفصل العنصري والتمييز والنبذ والإقصاء والتهميش والإرهاب، ما أشعل المقاومة والنضال بكافة أشكاله، حتي سقط ذلك النظام البغيض في العام 1991، بقيادة مانديلا ورفاقه.
إن الفلسطينيين يعانون نفس المعاناة منذ النكبة، و يرزحون تحت احتلال عنصري بغيض ، يحكم بالرصاص والمجازر والفصل العنصري، ولأن تاريخ المظلومية المشتركة واحد، كان تقدم جنوب افريقيا بحل محكمة العدل الدولية كوسيلة لوقف العدوان على غزة والضفة وملاحقة الكيان اللقيط، خطوة ملهمة وإجابة ناجزة لأسئلة كثيرة معلقة ، استحضر الجميع فيها عظمة التمسك بالمبادئ في مواجهة الجبروت الصهيوأمريكي ، هذه المباديء التي تلخصها عبارة نيلسون مانديلا الشهيرة :” نعلم جيداً أن حريتنا منقوصة من دون الحرية للفلسطينيين”.
إن حرية العالم العربي منقوصة، و إن سيادة الدول العربية مهددة، وإن استقلال أوطاننا العربية محل نظر، ما لم تتحرر فلسطين وتحظى بسيادتها على أراضيها من البحر إلى النهر، وتعلن استقلالها الكامل غير المنقوص، ومن هنا يمكن أن نبدأ النهوض والتقدم العربي ، وبغير هؤلاء سيظل الكيان الصهيوني مسمار جحا، لتقويض استقرار المنطقة العربية وأمنها وسيادتها، وليس ما حدث من ضربة أمريكية بريطانية مشتركة لليمن عقابا له على ملاحقة السفن الصهيونية أو المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة إلا مثالا واضحا وقريبا على ذلك.
والشيء بالشيء يذكر، أعتقد أن جنوب أفريقيا مرشحة كذلك لتكون اجابة نموذجية ، على الأسئلة الحائرة في المسار السياسي العربي الداخلي في بعض البلدان المكلومة ، وليس في مساندة القضية الفلسطينية، فحسب، كونها تعد نموذجا ملهما لنبذ الكراهية والعنف ، ولديها تجربة عملية للمصالحة الوطنية، و تصلح كمنهج إصلاح للأوضاع الداخلية لبعض البلدان العربية المضطربة منذ العام 2011، خاصة في سوريا واليمن وليبيا، وهو ما يتطلب دراسة النموذج الجنوب أفريقي في التعايش والمصالحة والاندماج ، والسير على خطى نيسلون مانديلا أيقونة التسامح وداعية المصالحات الوطنية.
إن عدوان “اسرايكا ” على قطاع غزة ، والذي يقترب من يومه المائة، يتطلب منا جميعا استمرار الصبر والمصابرة ، والدعم والمؤازرة للشعب الفلسطيني المرابط وأبطال المقاومة وفرسان الصحافة والجيش الأبيض ، ولعل الاجابة الجنوب أفريقية، تحفز الجميع ، دولا وشعوبا ، كي تكون الجهود مستمرة حتى تعود فلسطين حرة، لتعود كافة أوطاننا حرة عزيزة مستقلة.




















