قال حسام الخشت، المتحدث الرسمي باسم حزب العدل، إن حين يقف وزير في الحكومة المصرية أمام الكاميرا ويقول لمريض بالسكري “روح جيبه بره على حسابك” فهو لا ينطق جملة عابرة، بل يضع الدولة في مواجهة سؤال أكبر منه، وهو هل نجحت مصر فعلًا في أن تكون دواء شعبها بيدها أم أن الإنجاز الصناعي المعلن لا يزال بعيدًا عن يد المريض الواقف في الطابور؟.
وأشار الخشت خلال منشور له عبر صفحته على “الفيسبوك” إلى أن التصريح الذي أطلقه الدكتور خالد عبدالغفار وسط دفاعه عن الصناعة المحلية للأنسولين يفتح نقاشًا لا يحتمل التبسيط من أي طرف، لأن في القصة وجهين وكلاهما مسنود بوقائع لا يمكن تجاهلها.
تطور قدرات التصنيع المحلي للبدائل بأسعار مخفضة
وأوضح أن الوجه الأول حقيقي ويستحق الاعتراف به، أن مصر بنت خلال العامين الماضيين قاعدة صناعية جدية للأنسولين، بالشراكة مع شركات عالمية كبرى مثل Eli Lilly وGan & Lee عبر عدة مصانع من بينها مصنع تابع لمجموعة أكديما وشركة إيفا فارما، وأن الطاقة الإنتاجية المعلنة وصلت لنحو 50 مليون عبوة سنويًا، في وقت كانت فيه مصر تستورد نحو 66 مليون عبوة مع تصدير الفائض لعشرات الدول.
وأضاف أن الأسعار المحلية أرخص من المستورد بنسبة تتراوح بين 30 و40%، وهو فارق حقيقي في جيب مريض محتاج الدواء يوميًا مدى الحياة، وأن رئيس هيئة الدواء أعلن أن 91% من الأدوية في مصر مصنعة محليًا، نسبة بإنها الأعلى عالميًا، اقتصاديًا، موضحاً أن الفكرة منطقية في أن كلما قل اعتماد الدولة على دولار مستورد لدواء ممكن تصنيعه بالبيت، كل ما خفت الضغط على الموازنة وعلى المريض نفسه، وأن الوجه الثانية موثوقة بنفس القدر من الدقة، ولا يمكن دفنها تحت الأرقام الرسمية.
تفاقم أزمة نقص الأنسولين وانتعاش السوق السوداء
وأوضح أنه منذ عام 2023 وحتى شهور قليلة ماضت، توالت الشكاوى والأسئلة البرلمانية عن نقص فعلي في الأنسولين، لدرجة أن مرضى وصفوا رصيد صيدليات التأمين الصحي في بعض الفروع بأنه يساوي صفر.
وأضاف أنه في مايو 2026، كانت شكاوى موثقة من أهالي أطفال مصابين بالسكري من النوع الأول بسبب نقص الأنسولين في فروع التأمين الصحي.
وأشار إلى أن الأمر لم يتوقف عند النقص وحده، بل ولّد أيضًا سوقًا سوداء موثقة بالاسم والرقم؛ فعبوة سعرها الرسمي 93 جنيهًا بيعت بـ293 جنيهًا، بينما وصل سعر عبوة أخرى سعرها الرسمي 300 جنيه إلى 1200 جنيه في السوق الموازية، مؤكداً أن رصدت تقارير أخرى قفزات في أسعار أدوية الأمراض المزمنة، ومنها الأنسولين، وصلت إلى 300%.
وأكد أن الأهم أن هذا التناقض لم يكن بين الحكومة والمرضى فقط، بل ظهر أيضًا داخل الخطاب الرسمي نفسه لوزارة الصحة.
وأوضح أنه في 13 أبريل 2025، وخلال اجتماع للجنة الصحة بمجلس النواب لمناقشة تقرير المتابعة الربع سنوي لأداء وزارة الصحة، سأل وزير الصحة رئيس هيئة الدواء عن معدل الإنتاج المحلي من الأنسولين مقارنة بالمعدل العالمي، فرد رئيس الهيئة بأن المعدل العالمي 14 مليون عبوة والإنتاج المحلي يزيد عن 10 ملايين، مؤكدًا عدم وجود أي نقص في الأنسولين، وعقّب الوزير بأن المشكلة تكمن في أن جزءًا من الاستهلاك ما زال يُستورد، وأن بعض المواطنين يعتمدون على المنتج المستورد دون المحلي.
وأشار: “قبلها بأشهر، في يوليو 2024، كان الوزير نفسه قد اعتذر علنًا للمواطنين عن نقص الأدوية ووعد بحل الأزمة قريبًا”.
ولفت إلى أنه في نوفمبر 2025، وصف الوزير شكاوى النقص مجددًا بأنها شائعات، في نفس الوقت الذي أعلن فيه عن احتياطي استراتيجي يكفي 4 أشهر فقط، وهو تصريح يحمل في داخله اعترافًا ضمنيًا بوجود قلق حقيقي، وإلا لما احتاج أحد لتطمين الناس بمدة الاحتياطي.
وأوضح: “أن دليل على أن هذه المشكلة أعمق من مجرد نزوة اسم تجاري جاء من الإدارة الرسمية نفسها، عبر خطاب داخلي صادر عن الإدارة المركزية للتموين الطبي والصيدليات تم تداوله، وموجّه لمديري فروع التأمين الصحي بالمحافظات، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو الماضي، أي قبل أسابيع قليلة فقط من تصريحات الوزير محل الجدل”.
وأضاف أن الخطاب حمل حزمة إجراءات تنظيمية تمثلت في ضم أصناف الصيدلية التجارية لصيدليات الهيئة، مع فصل دفاتر العهدة، ومنح أولوية صرف للمنتج المحلي المجاني، تخفيفًا للعبء على المرضى.
وأكد أن هذا الخطاب هو اعتراف إداري صامت بأن آلية وصول الدواء للمريض كانت تحتاج إصلاحًا عاجلًا، وإلا ما كانت الدولة احتاجت تصدر حزمة إجراءات لضبط تكدس وتزاحم لا وجود له إن كان كل شيء متاحًا كما يقال، وأن الحقيقة مزدوجة ولا تحتمل طرفاً واحدًا.
ضرورة إصلاح سلاسل التدوير والتخزين لضمان وصول الدواء
وأشار: “الوزارة محقة في أنها بنت صناعة أنسولين حقيقية بأسعار أقل وشراكات موثوقة، وهذا إنجاز يستحق التقدير لا التجاهل، وفي المقابل، فإن المريض محق في شكواه، لأن التوثيق الصحفي والبرلماني والإداري، وصولًا لخطاب التموين الطبي نفسه، يؤكد وجود فجوة حقيقية بين الإنتاج المعلن على الورق والدواء المتاح فعليًا في يد من يحتاجه”.
وشدد: “المشكلة الحقيقية في جملة روح جيبه بره على حسابك ليست في الدفاع عن الصناعة الوطنية، فهذا موقف له مبرره الاقتصادي، وإنما في تصويرها كحل عملي لمريض مزمن لا يملك رفاهية السفر ولا استمرارية التمويل الذاتي لدواء ينقذ حياته يوميًا”.
واختتم الخشت حديثه قائلاً: “أن الحل الأكثر إنصافًا لكل الأطراف كان يستدعي التركيز على إصلاح سلسلة التوزيع والتخزين، وهو بالضبط ما يبدو أن خطاب يوليو الأخير يحاول التعامل معه، بدلًا من تحميل المريض مسؤولية توفير دواء تعهدت الدولة بإنتاجه أصلًا”.




















