كان ممكن مؤتمر الهوية الوطنية يبقى أول إعلان عملي إن الدولة داخلة على مرحلة جديدة في الحياة السياسية وكان ممكن يبعت رسالة واضحة إن كل مؤسسات العمل العام هتبقى شريك في رسم مستقبل البلد لكن اللي حصل خلاني أسأل سؤال بسيط هو ليه غابت الأحزاب السياسية عن مؤتمر بيتكلم عن واحدة من أهم القضايا اللي تخص مستقبل مصر
الهوية الوطنية مش مجرد تاريخ ولا آثار ولا احتفال بالماضي الهوية الوطنية هي إحنا مين وإيه اللي بيجمع ملايين المصريين مع بعض وإيه اللي بيخلي شاب عنده عشرين سنة يحس إن البلد دي بلده وإن ليه دور فيها وإن مستقبله مرتبط بيها الهوية الوطنية مشروع بيتبني كل يوم وبيتطور مع كل جيل وعلشان كده ما ينفعش يبقى النقاش عنها ناقص ضلع أساسي من أضلاع الحياة السياسية
إحنا طول الوقت بنتكلم عن إن المجتمع بيتبني على تلاتة الدولة والمجتمع المدني والأحزاب وكل ضلع فيهم ليه وظيفة مختلفة المجتمع المدني دوره تنموي وخدمي وده دور مهم جدًا لكن مش دوره إنه ينتج رؤية سياسية أو يقدم بدائل أو يناقش شكل الدولة بعد عشرين سنة دي وظيفة الأحزاب ودي أبجديات العمل الحزبي في أي دولة
الحزب السياسي مش مجرد كيان بينزل انتخابات الحزب هو المؤسسة اللي بتحتك بالشارع كل يوم هو اللي بيسمع الناس ويفهم مشاكلهم ويحولها لرؤية وسياسات هو اللي يقدر يتكلم عن المواطنة والانتماء والتعليم والثقافة والإعلام والاقتصاد من منظور سياسي هو اللي يربط ما بين المواطن والدولة وهو اللي ينقل صوت كل طرف للطرف التاني علشان كده وجود الأحزاب في أي نقاش عن الهوية الوطنية مش رفاهية لكنه ضرورة
كان نفسي أشوف الأحزاب المدنية كلها على نفس الطاولة كل حزب يقدم ورقة عمل وكل حزب يعرض رؤيته لمعنى الهوية الوطنية وإزاي نحافظ عليها وإزاي نطورها وإزاي نواجه التحديات اللي بقت بتهددها لأن تعدد الرؤى هنا مش نقطة ضعف لكنه نقطة قوة الدولة الذكية هي اللي تسمع كل الأفكار وبعدها تختار أفضلها
لو كنت مشارك في المؤتمر كنت هتكلم عن سؤال مختلف شوية كنت هسأل إزاي نربط المواطن المصري ببلده من جديد إزاي نخلي الشباب يشوفوا مستقبلهم هنا مش بره إزاي نخلي الانتماء مشروع حياة مش مجرد كلمة بتتقال في مناسبة وطنية وإزاي نحول الهوية الوطنية من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية في المدرسة والجامعة والشارع والحزب
ودي تحديدًا النقطة اللي كان ممكن الأحزاب تضيفها لأن الحزب هو الأقرب للناس هو اللي بيشوف تغير أفكار الشباب وهو اللي يقدر يقرأ المزاج العام ويعرف ليه فيه ناس فقدت الأمل وليه فيه ناس بقى حلمها الوحيد إنها تسيب البلد وتمشي الأحزاب عندها قدرة إنها تحول المشاعر دي إلى برامج ورؤى وحلول وده دور محدش يقدر يقوم بيه غيرها
للأسف الرسالة اللي وصلت لناس كتير من شباب الأحزاب كانت إن الدولة لسه مش شايفة إن الأحزاب شريك أصيل في بناء المستقبل وكأن وجودها أمر ثانوي ودي رسالة مقلقة لأن أي إصلاح سياسي حقيقي لازم يبدأ بالاعتراف إن الأحزاب جزء من الدولة الوطنية مش خصم ليها ولا عبء عليها
أنا أقدر أفهم إن الدولة عندها قدر من الحذر تجاه العمل الحزبي ويمكن عندها مخاوف من تكرار تجارب سابقة أو من وجود أجندات مختلفة لكن الحذر المستمر بيخلق فجوة والفجوة دي مش في مصلحة حد لأن الثقة بين الدولة والأحزاب مش هتتبني إلا بالشراكة والمشاركة
التاريخ المصري نفسه بيقول إن الأحزاب لما كانت قوية كانت جزء من قوة الدولة حزب الوفد ايام الملك مكنش مجرد حزب بيخوض انتخابات لكنه كان موجود في الشارع وكان قادر يعبر عن الناس ويأثر في الحياة العامة وده معناه إن الحزب القوي مش خطر على الدولة لكنه أحد مصادر قوتها
ولو كانت المعلومات المتداولة عن مؤتمر خاص بإصلاح الحياة الحزبية خلال الفترة القادمة صحيحة فأعتقد إن ده هيكون أول اختبار حقيقي لفكرة الإصلاح السياسي الاختبار مش هيكون في عدد الكلمات اللي هتتقال ولا في شكل القاعة الاختبار الحقيقي هيكون في سؤال واحد هل كل الأحزاب الوطنية هيكون ليها مكان على الطاولة وهل هيكون ليها حق تقدم رؤيتها وتناقشها بحرية ولا هيبقى وجودها مجرد حضور شكلي
الإصلاح السياسي مش معناه إننا نعمل مؤتمر عن الأحزاب لكنه معناه إننا نشوف الأحزاب موجودة في كل الملفات الكبرى لأن الهوية الوطنية والتعليم والاقتصاد والثقافة والتنمية دي كلها ملفات سياسية في المقام الأول ومش منطقي تبحث فيهم من غير اللي شغلتهم الأساسية هي السياسة
الأحزاب مش بتطلب امتيازات ومش بتطلب معاملة خاصة الأحزاب بتطلب تقوم بدورها الطبيعي لأنها جزء من المعادلة الوطنية ولأنها حلقة الوصل بين المواطن والدولة ولأنها المؤسسة اللي تقدر تحول مطالب الناس إلى سياسات وتقدم للدولة بدائل ورؤى مختلفة
أنا مؤمن إن الدولة والمجتمع المدني والأحزاب مش بيتنافسوا على خدمة البلد لكن بيكملوا بعض ولو غاب ضلع من التلاتة الصورة هتفضل ناقصة علشان كده كان مؤتمر الهوية الوطنية فرصة حقيقية للإصلاح السياسي ولكن الفرص الحقيقية مبتضيعش مرة واحدة المهم إننا نتعلم منها ونخلي المؤتمرات اللي جاية بداية لشراكة حقيقية يبقى فيها كل من يؤمن بالدولة ويؤمن إن بناء المستقبل مسؤولية الجميع






















