بعد إعلان الرئيس الأمريكي «جو بايدن» عن بناء المعبر البحري المؤقت في منطقة الميناء، والتي تقع قبالة المنطقة العازلة الإسرائيلية التي تفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، والتي فصلت من خلال الطريق الذي أنشأه الجيش الإسرائيلي والمسمى بطريق «749»، والذي بوجوده، فرض أمر واقع بتغيير الوضع الديمغرافي والجغرافي والهيكلي؛ إضافة إلى تضاريس قطاع غزة بعد تمرس جيش الاحتلال في القطاع وإعادة احتلاله وإمكانية الجيش الدخول والخروج للقطاع بكل سهولة بعد القضاء على 70٪ من البعد العسكري للمقاومة الفلسطينية في القطاع، وتنفيذ الاحتلال عدد من أهدافه سواء من خلال القصف الجوي أو اتباع سياسة التجويع التي تعتبر سلاح ممنهج لتنفيذ الأهداف المتبقية من خلال التركيز على أن الغذاء والشراب أهم من أي فكر مقاوم، وهي النظرية الجديدة القديمة التي يتبعها الجيش، وهي إدخال المساعدات مقابل الأمن، وهي ذاتها إدخال الطعام والشراب مقابل ثلاث نقاط، وهي تسليم المحتجزين الإسرائيليين الذين بحوزة المقاومة، وتسليم سلاح المقاومة وتسليم المطلوبين الذين قاموا ونفذوا وخططوا لعملية طوفان الأقصى، وهي إحدى أهم الخطوط الحمراء بالنسبة لإسرائيل، وهي إعادة الأمن والسيطرة الأمنية الشاملة في القطاع وتعزيز نموذج الضفة الغربية وبلورته في القطاع بمعنى السيطرة الكلية للاحتلال وإيجاد قوة محلية تهتم بالوضع المدني والمعيشي والإداري لسكان القطاع، بحيث تكون القوة المحلية لا علاقة بها في السلطة أو حركة حماس بمعنى الاهتمام الأولى في الوضع الإنساني فقط.
إن فكرة بناء الميناء البحري والرصيف قبالة القطاع هي سلاح ذو حدين، حيث سيتم بناؤه بإدارة أمريكية وترحيب إسرائيلي؛ فلا يوجد معارض إسرائيلي رسمي رفض هذه الفكرة إلا سوى جزء من المحللين الإسرائيليين نتيجة تخوفهم من أن الميناء المؤقت سيعزز التجارة الفلسطينية بين غزة والعالم الخارجي، وأنه سيرسخ البعد المستقل لغزة، لكن الرضى الإسرائيلي له دلالات تدل على أن الميناء تحت مراقبة الأمن الإسرائيلي، وإن كان تشغيله من قبل إحدى الدول العربية، لكن الإدارة أمريكية والرقابة الأمنية إسرائيلية، والعمل وتوزيع المهام الداخلية الإدارية والمدنية عربية (خليجية) _فلسطينية.
إن السلاح الأول لبناء الميناء البحري هو إيجابي وهو سلاح للإنقاذ الإنساني، بالتحديد أن نسبة المجاعة وصلت نسبة عالية فاقت الحد الطبيعي من الجوع المعتمد إنسانيا، لذا جاء الميناء ليكون الذراع المساند لتخفيف وطأة الوضع الإنساني الكارثي بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين وبالتحديد الأسر الفقيرة التي لا تملك المال لشراء الغذاء والطعام، قد يكون السؤال لماذا يتم بناء ميناء لإدخال المساعدات الإنسانية وهناك معابر برية أرخص ثمنا وأسرع وصولا؟… إن هدف بناء الميناء لأكثر من سياق؛ أولا إضعاف حكم حركة حماس بالتحديد، فإن حسب الفكر الإسرائيلي أن من سيستلم المساعدات من معبر رفح او معبر كرم أبو سالم هي حماس لذا عملية إدخال المساعدات من الميناء هي لفرض بديل عن معبر رفح لإدخال المساعدات الإنسانية؛ هذا يعني أن توزيعها لن يكون بأيدي حماس، بمعنى إضعافا ضمنيا مع إضعاف وجودها عسكريا من خلال القصف الجوي أو قتل كوادر المقاومة من خلال الدخول البري واستمرار الحرب.
كما أن الهدف الآخر هو بلورة الحكم الإداري الجديد، وذلك من خلال تقديم المعونات، حيث إن المواطنين بعد التجويع الممنهج سيفكرون فقط في إطعام أولادهم وعائلتهم ولن يفكروا بأي أسلوب له علاقة بمجابهة الاحتلال بعد الدمار الشامل في القطاع، وبعد إنهاء مقومات الحياة فيه، وهذا يعني أن من سيقدم لهم الطعام هو فعليا سيكون الحاكم الإداري للقطاع بغض النظر عن طبيعة تلك القوة المحلية.
أما فيما يتعلق بهدف فكرة السفر من خلال الميناء فهي غير واضحة نظرا لأن التهجير القسري لم يعد قائما، بل باتت فكرة التهجير الطوعي هي الراسخة الآن ومنفذة من خلال خروج عدد كبير من المواطنيين الفلسطينيين، حيث يقدر حتى اللحظة مئة ألف مواطن خرجوا طوعا بعد دفع كل فرد من خمسة آلاف إلى ثمانية آلاف دولار من أجل الخروج من القطاع بعد التنسيق مع إحدى الشركات الخاصة للسفر والخروج من غزة، لذا فكرة التهجير الطوعي هي الراسخة وهي ستكون القائمة حتى من خلال الميناء البحري، حيث إن الفلسطيني ذاته هو من سيقرر الخروج أو البقاء في القطاع، بالتحديد إن الأسر الفقيرة لا تستطيع الخروج من معبر رفح فهي لا تملك ثمن الخروج، لذا فإن المتبقي في القطاع هم الفقراء، لذا فإن الميناء سيكون سلاحا إيجابيا لتقديم المساعدات الإنسانية، إضافة إلى أنه سلاح مبهم لتعزيز فكرة اللجوء ولكن طواعية بإرادة الفلسطيني بعد ترتيب آلية اللجوء لإحدى الدول باستقباله بالتحديد، حيث إن استقبال اللاجئ يحتاج إلى أموال طائلة لإعادة ترتيب واقعه السكني والمعيشي، وحتى اللحظة لا توجد دولة أوروبية أو عربية قبلت باستقبال اللاجئ الفلسطيني بشكل رسمي.
كما أنه بعد إعلان مغادرة سفينة عسكرية أمريكية من قاعدة فرجينيا إلى غزة لبناء معدات الميناء هذا له دلالات، وهو البعد الأمني والعسكري لإيجاد موطئ قدم استراتيجي أمريكي سيستمر لشهور أو سنوات تستخدم القاعدة لنقل القضايا الحربية واللوجستية العسكرية، إضافة إلى الإنسانية لسكان القطاع، إضافة إن الشارع الذي قبالة الميناء الذي أنشأه الجيش والذي يصل للبحر الأبيض المتوسط جزء من الخطة الإسرائيلية للسيطرة الأمنية على قطاع غزة، أيضا سيستمر لسنوات، والشارع أيضا موطئ قدم استراتيجي سيستخدم لنقل المعدات العسكرية من الرصيف إلى إسرائيل، وسيسهل تنفيذ اقتحامات في المنطقة، حيث يشمل ثلاث مسارات: مسار المصفحات العسكرية، ومسار للمركبات الخفيفة، والثالث للحركة السريعة.
كما أن بناء الميناء له علاقة بدخول رفح، والتي يتم دخولها آجلا أم عاجلا نجحت الهدنة المؤقتة أم لم تنجح فمسار العمليات العسكرية وسط قطاع غزة ورفح قائم لانهاء الكتائب المتبقية في القطاع ووسطه، حيث الآن يستكمل الجيش مهامه في آخر منطقة في خان يونس، وإضافة لبقية مناطق الوسط ومن بعدها الدخول لرفح بعد المصادقة الأمنية والسياسية على الخطط لدخول رفح بعد محاولة نقل المواطنيين إلى مناطق مشتتة في القطاع بعد الضغط الأمريكي لإبعاد الضرر قدر الإمكان عن المدنيين الفلسطينيين.
إن عملية طوفان الأقصى استغلت لصالح إسرائيل، والفرصة جائتهم على طبق من ذهب لتحقيق الأهداف الأمنية والعسكرية والهيكلية في القطاع، وإبقاء الفصل الممنهج بين الضفة والقطاع حسب مقتضيات الفكر اليميني الصيهوني الذي يركز على الأرض، وتقليل الديمغرافية الفلسطينية من مليونين في القطاع إلى مليون فرد، والضفة الغربية كذلك؛ من خلال التضييق الممنهج في الضفة وتقطيع أي إمكانية تعمل على تواصل جغرافي بين منطقة وأخرى فيها، وإنهاء حلم الدولة الذي عززه الانقسام الفلسطيني.






















