ازدادت معدلات العنف والجريمة داخل المجتمع المصري بشكل مبالغ فيه، وأصبحنا نشهد جرائم بشكل يومي فمنذ أيام قليلة شهدت مصر 4 جرائم قتل بشعة، واليوم نستفيق على خبر قتل أم لأبنائها بالسم ثم تتخلص من حياتها، وغيرهم من الكثير من الجرائم.
كل هذه الجرائم تجعل الخوف يزداد داخل مجتمعنا ويهدد استقراره، ما دفعنا لطرح سؤال؛ هل الدراما المليئة بمشاهد العنف والكراهية والقتل هي السبب في ازدياد معدل الجريمة .. هذا ما سنتناوله خلال التقرير التالي.
تأثير الدراما متعدد العوامل
في ظل تزايد دور وسائل الإعلام والدراما في التأثير على الجمهور، قدم الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، تقييمًا دقيقًا لتأثير العنف والمشاهد العنيفة في الأعمال الدرامية على الجمهور، حيث أكد أن عرض المشاهد العنيفة من جرائم وبلطجة في الدراما ليس له تأثير عام أو مطلق على المشاهدين، مشيرًا إلى أن درجة التأثير تعتمد على مجموعة متعددة من العوامل.

وأوضح “هندي” في حديثه لـ “الحرية” أن تلك العوامل تشمل أسلوب عرض المشاهد واستخدام المؤثرات الصوتية والمكياج في العمل الدرامي، وأيضًا تنوع الأسلحة وأساليب العنف المُقدمة موضحا أن تأثير الدراما يختلف أيضًا حسب مدى طول الفترة الزمنية التي يتم فيها عرض العمل.
وأشار استشاري الصحة النفسية، إلى أنه يمكن أن تؤثر مشاهد العنف في الأعمال الدرامية على سلوك الأفراد، خصوصًا عندما يتم تقديم هذه المشاهد بطريقة تجعلها جذابة ومثيرة للمشاهدين مستشهدا بأعمال الفنان محمد رمضان التي اتسمت بتصوير العنف والبلطجة والتمجيد غير اللائق للبطل القاتل, مما ينعكس سلبيًا على تصرفات وسلوكيات الأفراد.
وفي فترات الإنغلاق الفكري وتعتيم الأعلام، مؤكدًا على أن بعض الأفراد قد يحاولون تقليد هذه الجرائم نتيجة تعتيم الأخبار ونقص مصادر المعرفة البديلة.
وأكد هندي، على أن هذا التأثير يكون أكثر وضوحًا في الفترات التي تشهد فيها الجرائم الواقعية عمليات عنف كبيرة، والتي تُحوَّل إلى أعمال درامية، ومع تقدم التكنولوجيا وانتشار وسائل الإعلام والإنترنت، أصبحت المعلومات تصل للجمهور من مصادر متعددة، مما أدى إلى تقليل تأثير الدراما على الجمهور مقارنة بالماضي.
وفيما يتعلق بتأثير الأعمال الدرامية على الأفراد ذوي النفوس الضعيفة، أشار “هندي” إلى أن نسبة الأشخاص الذين يمكن أن يتأثروا بمشاهد عنيفة في الأعمال الدرامية تكون ضئيلة جدًا.
وأشار إلى وجود أعمال درامية حققت تفاعلًا إيجابيًا مع الجمهور، مثل مسلسل “سفاح الجيزة”، الذي تناول موضوع الجريمة بشكل تحليلي ونفسي، وقد تعاون فيه مع مجموعة من الأطباء النفسيين لتقديم رؤية محترفة، وأكد أن هذا العمل لم يكن تشجيعًا للعنف، بل كان تحصينًا نفسيًا للتعامل مع شخصيات مثل القتلة والمجرمين المحتملين.
وفي سياق متصل، أضاف هندي، أن المجتمع المصري مر ببعض أحداث العنف والإرهاب المظلم في الفترة من 2011 إلى 2013 ورأينا حصار المؤسسات وذبح وقتل وسحل في الأحداث الأتحادية وحرق الكنائس وهدم الأدرحة وحوادث إرهاب ليبيا وبحور الدماء فتشبع البناء النفسي بالعنف ومشاهد القتل فأصبح بعض الأعمال الدرامية كسفاح الجيزة أسقاط للمشاعر الداخلية وإزاحة السلوك الغير مرغوب ويخالف الفطرة الأنسانية واستبرائنا من الضغوط النفسية.
وواصل، ونرى أن البعض أخذ هذه الأعمال بسخرية على مواقع التواصل الأجتماعي وهذا دليل على التوحد النفسي مع هذا العمل وتأثيره الإيجابي في معرفة سيكلوجية السفاح وبناءه النفسي وكيفية التعرف عليه لتأمين حياتنا وحياة أولادنا.
واختتم استشاري الصحة الهندية حديثه قائلًا: تأثير الدراما يعتمد على الفلسفة والهدف من العمل الدرامي، وليس كل عمل يؤثر سلبًا على السلوك الإنساني، مشددًا على ضرورة اختيار الأعمال الدرامية التي يشاهدها الأطفال بعناية، مع مراعاة التنوع والجودة في العروض الفنية.
الافتقاد إلى الأعمال الدرامية والبرامج التليفزيونية الهادفة
ومن جانبها، أعربت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، في إطار دراستها وبحثها العلمي عن وجهة نظر مؤثرة حول تأثير الأفلام ذات الطابع الإجرامي على سلوك المواطنين، وعلى الرغم من إمكانية أن تؤثر هذه الأفلام على تصرفات الأفراد، إلا أنها أكدت أنها ليست السبب الرئيسي وراء الجرائم المروعة التي تشهدها المجتمعات في الوقت الحالي.

وأكدت “خضر” في حديثها لـ«الحرية»، أن المجرم، عندما يقرر ارتكاب جريمة، يتجمع بداخله العوامل المؤثرة مثل الغضب والرغبة في الانتقام، وعلى الرغم من وجود أعمال درامية تظهر أساليب الجريمة، إلا أنها لا تكون كافية لدفع الشخص للقيتل البشري إلا إذا كان هذا الشخص ضعيف العقل والأخلاق، ولديه رغبة مرتاكمة في الانتقام.
وأضافت أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن التربية والتعليم في مراحل الصغر تلعب دورًا حاسمًا في تكوين شخصيات الأفراد، مشيرة إلى أن البرامج التلفزيونية التي كانت تُعرض في الفترات السابقة مثل “أبلة فضيلة” و”بابا ماجد” كانت تسهم في توسيع أفق الأطفال وزرع قيم الحنان والعطف في نفوسهم.
ومن ناحية أخرى، يمكن أن تؤدي الأفلام التي تحتوي على مشاهد عنف إلى المحاكاة، خصوصًا إذا كان لدى الفرد تراكم في القدرة على ارتكاب جرائم منذ الصغر، وإذا كان ضعيف الأخلاق أو مدمنًا للمخدرات.
وفيما يتعلق بتأثير الفن المصري على الجمهور، أشارت الدكتورة إلى أنها اكتشفت خلال رحلة قامت بها إلى إحدى الدول العربية أن الفن المصري المعروف بالحب والرقة قادر على أن يؤثر بشكل إيجابي على الشعوب الأخرى.
كما أكدت أن وجود الأعمال الدرامية التي تحتوي على مشاهد عنف لا يعني بالضرورة أنها تشجع على جرائم القتل، بل يعتمد الأمر على الوعي والثقافة لدى الفرد.
وفي ختام حديثها، أعربت أستاذ علم الاجتماع، عن قلقها إزاء نقص الأفلام التي تتحدث عن مواضيع الحب والمودة والأسرة كـ” عائلة ونيس” و”أبلة حكمت”، والتي استبدلت بأفلام تتناول قضايا الجريمة والعنف. ودعت إلى ضرورة تنويع المحتوى الإعلامي والتلفزيوني لتوفير رسائل إيجابية للمجتمع.
















