كتب _ بلال همام
للسعودية نسختان، إحداهما “الأحدث” لا زالت تحاول نفض غبار النسخة القديمة، فترى كبار رجال الدين هناك يعتذرون عن هفوات ارتكبوها وفتاوى اكتشفوا أنها اجتهاد في غير موضعه.
بشكل أو بآخر، أثرت كلا النسختين على مصر، منذ زمن “اقرأ” حتى زمن “شاهد”، وظل ما يحدث في المملكة يُلقي بظلاله على ما نعيشه في مصر، لذلك تجد أن أثر تلك الهفوات التي اعتذر عنها رجال الدين في السعودية زال في الحال عند السعوديين، لكنه لا يزول بنفس السرعة في مصر، تكثر أسباب اختلاف السرعات بين مساحات الحريات والنقد ودور مؤسسات أخرى مثل الأزهر، وتلك قضية تطول نقاشاتها ويُمكن الحديث عنها في وقت آخر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ماذا سيقدم الفن في مصر، كأداة نعرف جميعًا قوتها إن أُتقِن استخدامها، في التخلص من أثر السعودية القديمة على المصريين؟
لا أتطلع أو أُطالب باستخدام الفن بالقوة أو بالأمر، هذا أمر أرفضه دون شك، لذلك عندما أتحدث عن الفن كأداة، أقصد بأنه أداة في أيدي أصحابها أنفسهم، من كُتاب وفنانين ومخرجين ذوي رؤى وتطلعات، لا مسؤولين أو شيوخ، فماذا بإمكان هؤلاء أن يفعلوا إن أرادوا نقد السعودية القديمة؟ الواقع يقول بأنهم يفعلون ذلك طوال الوقت بالفعل، بطريقة غير مباشرة عبر نقد القوانين والأعراف التي ألقت بها السعودية المنتهية على مصر منذ زمن، دون الحديث مباشرة عن منبع تلك القوانين والأعراف، وحتى تلك المرحلة لا توجد مشكلة، لكن مع وجود بعض الشخصيات السعودية التي تمتلك أموال طائلة تستطيع بها تطويع عدد من الفنانين المصريين كما يرتأي لها، فهنا تظهر المشكلة.
لنتخيل مثلًا أن أحد صناع الفن في مصر يعمل حاليًا على مشروع ما يصطدم بتلك القوانين التي تحدثنا عنها، وأن مساره التقى مع نفس المسار الحالي لرجال المال السعودي فقرر أحدهم ضخ أمواله في المشروع، وامتلاكه بطبيعة الحال، وعندما اقترب صانع العمل المصري من الانتهاء من مشروعه، تغيرت السعودية مرة ثالثة، فأي نهاية سيقرر عرضها؟ النهاية كما كُتبِت أم ستتغير النهاية قدر التغير الذي طرأ على المملكة؟
بقوة المال، من المستحيل أن يعرض عمله بحُرية كما كُتِب، وفي أفضل الأحوال سيُلغى العمل دون إجباره على تغيير الهدف منه، وتلك بالضبط هي الأفكار التي تدور في عقل كلا من صناع الفن المصري ورجال المال السعودي، فدفعتهم لإنتاجات مشتركة فقيرة لا تلامس واقعنا، حتى لا نقع في مثل تلك المشكلات أصلًا، مسلسلات عن نهاية العالم كمثال.
وبالنظر إلى الصور المتداولة لعدد النجوم المصريين الذين قرروا عقد تلك الشراكة مؤخرًا، أي تجنب الأعمال الفنية الواقعية الجدية ضمنيًا، فلا بد أن نسأل أنفسنا، من تبقى ليعرض لنا فنًا حقيقيًا؟
أخيرًا، أُحذِر بأن المستقبل يبدو وأنه يحمل لنا نوعين فقط من الأعمال الفنية، الأول هو ما تتبناه الحكومة المصرية لعرض وجهة نظرها التاريخية في بعض الأحداث، والثاني هو ما تتبناه المملكة السعودية لعرض نهايات العالم وقصص تتجنب الواقع، أما وجهة نظر الناس والشارع فلن نجد كاميرات تكفي لالتقاطها أو فنانين لتمثيلها، فالكاميرات والفنانين تم حجزهم مسبقًا، ولا عزاء للجمهور.






















