كتب: محمود صبري
في ظل تفاقم الصراعات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية، تستمر مصر في المضي قدمًا في انتهاج سياسة خارجية حكيمة تقوم على ما يُعرف بـ«دبلوماسية التوازن الاستراتيجي»، للحفاظ على مكانتها بين دولة العالم العظمى وتعزيز دورها الإقليمي والدولي.
وفي هذا الصدد، أجرى موقع «الحرية» حوارًا مع اللواء دكتور سمير فرج الخبير الاستراتيجي والمفكر السياسي، ومدير الشؤون المعنوية الأسبق بالقوات المسلحة، وأحد أبرز المحللين في قضايا الأمن القومي والسياسة الدولية، للوقوف على رؤيته تجاه عدد من الملفات المحتدمة، من غزة مرورًا بالسودان وصولًا إلى القرن الإفريقي، إضافة إلى تعقيبه حول دور الثقافة في تشكيل الوعي العام؛ تزامنًا مع انطلاق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57.
دبلوماسية التوازن الاستراتيجي.. مكاسب سياسية وحضور مصري إقليمي فعال
يُشير اللواء سمير فرج في مستهل حديثه مع «الحرية»، إلى أن دبلوماسية التوازن الاستراتيجي التي تتبعها القاهرة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، تمثل تحولًا جوهريًا في إدارة السياسة الخارجية، إذ يقول: «تقوم دبلوماسية التوازن الاستراتيجي على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى العظمى دون الانحياز لكيان بعينه، مما أضفى بثماره في تعزيز مكانة مصر الدولية، وفتح أذرع تواصل فعّالة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، بما يضمن تنويع الشراكات وحماية مصالح الدولة».
وتابع: «القاهرة أضحت يُنظر إليها كوسيط مؤثر قادر على المساهمة في احتواء الأزمات الإقليمية، خاصةً فيما يتعلق بملفات شديدة التعقيد مثل الأمن المائي وقضايا الشرق الأوسط».
حكومة التكنوقراط في غزة.. وسيلة للاستقرار وإعادة الإعمار
يشير اللواء سمير فرج، إلى أن حكومة التكنوقراط (وهي حكومة تضم خبراء ومتخصصين مستقلين في المجالات الإدارية والاقتصادية والخدمية، لا ينتمون تنظيميًا إلى فصائل أو أحزاب سياسية، وتهدف إلى إدارة المرحلة الانتقالية داخل قطاع غزة بكفاءة وحياد) تُمثل صيغة عملية؛ لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد انتهاء تارة الحرب.
ويوضح: «هذه الحكومة التي تُدار من القاهرة وشُكلت بوساطة مصر رفقة أطراف الصراع (حماس، الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل) يُمكن أن تسهم في تحقيق التوازن بين أطراف النزاع، وإضفاء بيئة صالحة؛ لوقف إطلاق النيران، تمهيدًا لإطلاق عملية إعادة الإعمار.
ويؤكد فرج، أن الدور المصري سيظل محوريًا، سواء في التنسيق السياسي أو في حشد الدعم الدولي والإقليمي؛ لإعادة بناء القطاع، بما يضمن استقلالية القرار الفلسطيني بعيدًا عن أي إيادِ خارجية.
السودان.. عمق استراتيجي لا يقبل القسمة
يُشير اللواء سمير فرج في حديثه مع «الحرية» إلى أن السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي المصري؛ بحكم الروابط التاريخية والجغرافية ومصالح البلدين المشتركة، وعلى رأسها مياه النيل.
ويستحضر: «العلاقة بين مصر والسودان كانت في أربعينيات القرن الماضي كيانًا واحدًا مترابطًا ذات مصالح مشتركة، حتى أنه في 26 يوليو 1952 (انتهاء حقبة نظام الملك فاروق الأول) أذكُر حينها أنه قيل لقد رحل حاكم مصر والسودان، وهو ما يفسر حساسية القاهرة تجاه أية محاولات؛ لإسقاط هيبة السودان».
ويضيف: «الدور المصري محوري في هذا الصدد، إذ يتمثل في دعم الحكومة السودانية، وعلى رأسها الجيش هناك، للحفاظ على وحدة البلاد».
أرض الصومال والقرن الإفريقي.. صراع النفوذ
يُشير اللواء الدكتور سمير فرج، إلى أن عودة ملف أرض الصومال (صومالي لاند) إلى الواجهة في هذا التوقيت ليست منفصلة عن حالة الاحتقان الإقليمي والدولي في منطقة القرن الإفريقي، والتي تُعد من أخطر مناطق التماس الجيوسياسي في العالم.
ويُتابع: «الصومال كانت دولة موحدة حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تؤدي حالة التنازع والاضطراب السياسي والصراع الداخلي هناك إلى إعلان إقليم أرض الصومال انفصاله من جانب واحد، دون أي اعتراف دولي.
ويؤكد فرج، أن التحركات الأخيرة، وعلى رأسها الاتفاق المبرم بين إثيوبيا وسلطات أرض الصومال؛ للاستفادة بميناء بربرة لمدة طويلة، تعكس سعي أديس أبابا إلى كسر وحدتها الجغرافية والحصول على منفذ بحري هام يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز المصالح الاقتصادية إلى اعتبارات الأمن القومي الإقليمي.
ويُضيف أن «ميناء بربرة يمثل موقعًا بالغ الحساسية لقربه من مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر، ما يجعله محط أنظار قوى إقليمية ودولية»؛ محذرًا من أن أي وجود عسكري أو أمني غير مُحكم في هذه البقعة الاستراتيجية قد ينعكس سلبًا على أمن الملاحة الدولية، وعلى رأسها قناة السويس.
كما يُشير إلى أن تعاظم دائرة الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي يندرج ضمن استراتيجية أشمل؛ لتوسيع التواجد البحري وتأمين خطوط التجارة، وهو ما يفرض على مصر التعامل مع هذه التبعات برؤية حكيمة إذ أن أمن البحر الأحمر يُعد جزءً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والمصري.
القضية الفلسطينية.. حضور فعال الوساطة المصرية
يؤكد اللواء سمير فرج أن مصر تظل الوسيط الإقليمي الأكثر تأثيرًا في ملف القضية الفلسطينية؛ بحكم ما تتمتع به من تأثير سياسي وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ويوضح لـ«الحرية»: «القاهرة تعمل على إنعاش نهج التهدئة وإعادة إطلاق المفاوضات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تحقيق السلام العادل والشامل ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري.
ويشير فرج، إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في محاولات تعطيل مسارات التهدئة من قبل الجانب الإسرائيلي ونحن على أعقاب بداية المرحلة الثانية من حيثيات الاتفاق، إلا أن مصر تواصل جهودها السخية؛ للحفاظ على الاستقرار وإتمام الاتفاق.
معرض القاهرة الدولي للكتاب.. عرس عالمي يُزين المحروسة كل عام
وفي ختام حديثه مع «الحرية»، يصف اللواء سمير فرج معرض القاهرة الدولي للكتاب بأنه «عرس ثقافي سنوي» يعكس حيوية المجتمع المصري واهتمامه بالمعرفة. إذ يوضح: «تُشير المؤشرات الأولية لأعداد الزوار هذا العام مع انطلاق أولى أيام المعرض حول تخطي نسبة الحضور حاجز المليون زائر؛ مما يعكس حجم الإقبال الكبير خاصةً من فئة الشباب نحو هذا الحدث المميز».
ويؤكد: «أُلاحظ هذا العام تزايد الاهتمام بكتب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما يدل على وعي متنامٍ بأهمية مواكبة الشباب للتحولات العالمية».
اقرأ أيضًا: بعد اختطاف مادورو.. سمير فرج لـ”الحرية”: أمريكا ستستولي على نفط فينزويلا وترامب لا يريد الحرب






















