ليست كل الأزمات وليدة لحظتها، وليست كل الخسائر نتيجة قرار خاطئ اتُّخذ في يوم بعينه. فبعض الأزمات تبدأ صغيرة،ثم تتضخم بفعل التجاهل والتأجيل ، لأن من يملكون مسؤولية مواجهتها يؤجلون القرار، ويتركون الوقت يمر، حتى يجدوا أنفسهم أمام واقع كان يمكن تفاديه لو حضرت الرؤية في موعدها، وغابت الحسابات الضيقة عن إدارة المصالح العامة.
وهكذا تبدو حكاية المقر التاريخي لاتحاد كتاب مصر، الكائن في شارع حسن صبري بالزمالك. حكاية تتجاوز جدران مبنى إلى تاريخ مؤسسة ثقافية عريقة، احتضنت أجيالًا من الأدباء والمفكرين، وظلت عنوانًا يجمع أصحاب الكلمة، ونافذة يطل منها الاتحاد على الحياة الثقافية المصرية.
لم يكن هذا المقر يومًا مجرد عنوان في بطاقة عضوية، ولا مساحة إدارية يمكن نقلها من حي إلى آخر دون أن يتغير شيء. إنه جزء من ذاكرة المؤسسة، ومن تاريخها الذي صنعه أعضاؤها، ومن المكانة التي اكتسبها اتحاد الكتاب عبر عقود من العمل الثقافي.
ولذلك، فإن السؤال الذي ظل يلاحقني منذ أن بدأت الكتابة عن الأزمة ليس: أين سيذهب الاتحاد إذا فقد مقره؟ بل: كيف وصلت مؤسسة بهذا التاريخ إلى مرحلة أصبح فيها مستقبل مقرها التاريخي موضع جدل، بينما كان أمامها وقت كافٍ للتحرك والبحث عن حلول تحفظ لها مكانتها واستقلالها؟
سبع سنوات من الانتظار.. أين كانت خطة الإنقاذ؟
في 14 أغسطس 2025، كتبت مقالي «أنقذوه.. قبل أن ينتقل اتحاد الكتاب إلى مدافن الواحات»، محذرًا من ضياع المقر التاريخي لاتحاد كتاب مصر، الكائن في 11 شارع حسن صبري بالزمالك، في ظل تداعيات القانون رقم 10 لسنة 2022، ومشيرًا إلى أن الخطر لم يكن مفاجأة، بل قضية كان ينبغي التعامل معها مبكرًا، بخطة واضحة وتحرك جاد يحمي مؤسسة ثقافية بحجم اتحاد كتاب مصر.
لم يكن المقال مجرد صرخة تحذير، ولا عنوانًا ساخرًا يستدعي الضحك بقدر ما يستبطن الوجع. كان سؤالًا عن مصير مؤسسة عريقة، وعن إدارة تركت الوقت يمر بينما تتزايد المخاوف بشأن مقرها، واكتفت بوعود لم تُعرض بشأنها، حتى ذلك الوقت، مستندات كافية تطمئن أعضاء الجمعية العمومية إلى جدية التنفيذ.
وبعد عام من مقالي الأول ، كتبت مقالي الثاني «اتحاد علاء عبدالهادي.. “مقر يحتضر وكرسي لا يتزحزح»، المنشور في 13 يونيو 2026، وضعت يدي على جوهر الأزمة: الخطر الذي يهدد المؤسسات لا يأتي دائمًا من الخارج، فقد يكون الإهمال الداخلي، أو العجز عن اتخاذ القرار، أو إهدار الفرص المتاحة، أشد خطرًا من أي تهديد آخر.
كانت المسألة واضحة في تقديري. فالمقر التاريخي يواجه تحديًا قانونيًا يتعلق بعلاقة الاتحاد بالمبنى، في ظل التشريعات المنظمة لعلاقة الدولة بالجهات المستأجرة، وصولًا إلى القانون رقم 10 لسنة 2022، الذي أشار إلى ارتباطه بمهلة تنتهي في مارس 2027 لإخلاء المقر.
ومع اقتراب الموعد، يصبح من حق أعضاء الجمعية العمومية أن يسألوا عن الخطوات التي اتُّخذت خلال السنوات السابقة، وعن نتائج التفاوض مع الجهات المعنية، وعن البدائل التي جرى إعدادها، وعن الخطة التي يفترض أن تكون المؤسسة قد وضعتها لتجنب الوصول إلى اللحظة الحرجة.
فالأزمات الكبرى لا تُدار بالانتظار، ولا يكفي فيها أن نطمئن أعضاء الجمعية العمومية إلى أن الأمور بخير، ما لم تكن هناك مستندات واضحة وخطوات عملية ونتائج يمكن قياسها.
لقد كان تقديري أن الاتحاد امتلك سنوات للتحرك، وأن المسؤولية الإدارية تقتضي إعلان ما جرى في هذا الملف، وما تحقق بالفعل، وما تعثر، والأسباب التي حالت دون الوصول إلى حل نهائي.
ليس من الإنصاف أن يُترك أعضاء الاتحاد أمام أسئلة مصيرية من دون إجابات كافية، ثم يُطلب منهم الاطمئنان إلى المستقبل.
والأهم أن الحفاظ على المقر لم يكن ينبغي أن يتحول إلى ملف يُثار كلما ارتفعت حدة الجدل، ثم يخفت حضوره حتى تعود الأزمة إلى الواجهة من جديد. كان المطلوب عمل مؤسسي مستمر، وتواصل واضح مع الجهات المعنية، وخطة معلنة يشارك أعضاء الجمعية العمومية في معرفة تفاصيلها ومتابعة تنفيذها.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عام على ذلك التحذير، لا تبدو القضية مجرد خلاف حول مبنى أو قطعة أرض، بل نموذجًا لما يمكن أن يقود إليه التقاعس عن متابعة الملفات المصيرية، وترك الفرص تضيع حتى تصبح الخيارات أكثر صعوبة وكلفة.
والأكثر إيلامًا أن أزمة المقر الحالي ليست الواقعة الوحيدة التي تستحق المساءلة. فقد سبق للاتحاد أن حصل على مقر بقلعة صلاح الدين بحق الانتفاع في عهد الأديب محمد سلماوي ، في تجربة كان يمكن أن تمثل إضافة مهمة إلى مقراته وإمكاناته. لكن ما يثير الأسئلة هو ما أُثير بشأن إهمال متابعة الإجراءات القانونية والتمسك بهذا المقر في عهد الإدارة الحالية، حتى انتهى الأمر بفقدانه. وهي واقعة تستوجب كشف ملابساتها، وتحديد ما اتُّخذ من إجراءات للحفاظ عليه، وأسباب عدم استمرار الانتفاع به، إن ثبت أن التقصير في المتابعة كان سببًا في ضياعه.
هكذا يجد أعضاء الاتحاد أنفسهم أمام سجل من الأسئلة المؤلمة: مقر القلعة الذي فُقد، ومقر الزمالك الذي تحيط بمستقبله المخاوف، ومشروع أرض السيدة زينب الذي أثار جدلًا حول جدواه وتكلفته، في وقت كان ينبغي أن تكون فيه الأولوية القصوى لحماية أصول الاتحاد، وصون أمواله، وتأمين مقر يليق بتاريخه.
إن شراء أرض جديدة ليس خطأ في ذاته، لكن الخطأ أن يتحول إلى أولوية قبل استنفاد فرص الحفاظ على المقر القائم، وقبل إعلان التكلفة الحقيقية للمشروع وبدائله وضماناته. فأموال الاتحاد ليست ملكًا لأحد، بل هي أموال مؤسسة تخص آلاف الكتاب، ومن حقهم معرفة كيف تُدار، وعلى أي أساس تُتخذ القرارات المتعلقة بمستقبلها.
وإذا كان مقر القلعة قد أصبح من الماضي، فإن الدرس الذي يفرضه ضياعه لا يجوز تجاهله عند التعامل مع مقر الزمالك. فالمؤسسات لا تفقد أصولها دائمًا بقرار واحد، وإنما قد تفقدها بالتراخي، وتأجيل الإجراءات، وضعف المتابعة، والاطمئنان إلى أن الوقت ما زال يسمح بالمناورة، حتى تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها الندم.
لقد طالبت منذ أغسطس 2025 بتحرك جاد، وتساءلت عن جدية الوعود المتعلقة بالمقر البديل، وعن غياب خطة معلنة تضمن استمرار الاتحاد في مقر يليق بمكانته. ثم عدت في يونيو 2026 إلى التحذير من مخاطر استمرار الغموض، ومن تحميل الاتحاد أعباء مالية جديدة دون وضوح كافٍ بشأن البدائل والجدوى.
واليوم، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتصريحات العامة أو تبادل الاتهامات. المطلوب إعلان الموقف القانوني للمقر التاريخي، وكشف الإجراءات التي اتُّخذت للحفاظ عليه، وتوضيح ملابسات فقد مقر القلعة، ومحاسبة المسؤول عن أي تقصير تثبته المستندات، مع عرض جميع البدائل على الجمعية العمومية بشفافية.
فالمسألة ليست معركة شخصية، ولا تصفية حسابات مع رئيس أو مجلس إدارة. إنها قضية مؤسسة ثقافية لا يجوز أن تُدار بمنطق رد الفعل، ولا أن يدفع أعضاؤها ثمن قرارات متأخرة أو فرص ضائعة.
في أغسطس 2025، كان التحذير: أنقذوه قبل أن ينتقل اتحاد الكتاب إلى مدافن الواحات. واليوم، بعد ضياع مقر القلعة واستمرار القلق على مقر الزمالك، لم يعد أمامنا سوى أن نسأل: كم مقرًا ينبغي أن نفقد، وكم تحذيرًا ينبغي أن نكتب، حتى ندرك أن مدافن الواحات قد تصبح المقر الوحيد الذي نملكه؟ فمن القلعة إلى الزمالك، تضيع المقرات وتبقى الأسئلة، ويبقى كرسي الرئيس عصيًا على الرحيل، وكأن المقرات خُلقت لتذهب، والكرسي خُلق ليبقى!
















