تأسيس وإطلاق منصة صحفية جديدة، في الوقت الذى تعانى فيه مهنة الصحافة بشكل عام من القيود السياسية والتشريعية والضغوط الاقتصادية، وفى الظروف التى يحتاج فيها الوطن لكل صوت حر صادق لديه رأى ورؤية، وفى الأوضاع التي يحتاج فيها المجتمع ليجد مساحات وأطر يطالع فيها مختلف وجهات النظر ويبحث من خلالها عمن يعبر عن همومه وطموحاته، وأن تحمل تلك المنصة الاسم الصحيح فى التوقيت الصحيح (الحرية) كمدخل صحيح للدفاع عن حرية الصحافة والوطن والناس، فهى مناسبة تستحق الاحتفاء، ومنصة تستحق الانتظار، وتجربة تستحق الدعم.
(1)
حرية الصحافة والإعلام، كجزء من مفهوم أوسع وأشمل للحريات العامة ولحرية الرأي والتعبير خصوصا، ليست ترفا كما يتصور البعض، فمصداقية الصحافة والإعلام وجديتها وممارستها لدورها لا تتحقق بفكرة الإصطفاف والصوت الواحد، بقدر ما يعبر عنها تنوعها وتعددها وطرحها لمختلف الآراء والقضايا، والعبرة بمدى إلتزامها بمعايير المهنية، وما تقدمه من تعبير عن هموم الناس، ومدى قدرتها على كشف مشكلات وأزمات الوطن، كما أن حرية الصحافة لا تواجه بمحاولات تقييدها أو فرض مساحات محددة عليها أو ترهيبها بسيف القانون، وإنما بوضع ضوابط مهنية، وبوجود أطر منظمة، وبالإعتماد على من لديهم خبرات حقيقية في مهنة الصحافة، ومن يستطيعون التطوير والإبتكار في مهنة تحتاج للكثير من التجديد في الدماء والأفكار والممارسات لتستطيع إستعادة مصداقيتها والصمود في مواجهة التحديات التي تواجهها.
واجهت الصحافة بشتى أنواعها وأشكالها في مصر على مدار السنوات الماضية تضييقا ومحاولات سيطرة وهيمنة وتقييد، ولا يمكن لأحد أن ينكر أنها نجحت إلى حد كبير، لكن النتيجة كانت تهميش دور الصحافة، وتراجع مصداقية الكثير من الصحف ووسائل الإعلام، وإنصراف الناس عن متابعة أغلبها، ووجود فراغ تحاول ملأه وسائل أخرى بعضها أحيانا يروج لشائعات وأكاذيب لأنها لا تجد من يواجهها في ظل تراجع المصداقية وغياب الحقيقة وتقييد الرأي الآخر.
الآن، يبدو واضحا احتياج الوطن والمجتمع لحرية الصحافة والإعلام، لا بإعتبارها ترفا أو رفاهية لمجتمعات مستقرة أو متقدمة، وإنما بإعتبارها وسيلة لتعبير قطاعات وإتجاهات مختلفة عن رؤاها ومساهماتها في تقديم حلول لمشكلات وأزمات الوطن، وفى قدرتها على تشكيل رأى عام أكثر وعيا وإدراكا وتفاعلا، وفى كونها واحدة من أسس البناء السليم للمجتمعات القادرة على مواجهة التحديات وتجاوز المخاطر.
(2)
الإنحياز لحرية الصحافة والإعلام والدفاع عنهما ليس منفصلا بالتأكيد من الدفاع عن قضايا الحريات بمفهومها الأعم والأوسع، حرية العمل العام وتحفيز مشاركة المواطنين فيه بكافة أشكاله، السياسية والنقابية والمجتمعية والأهلية والطلابية وغيرها، والحرية هي التي تحفز وتشجع المشاركة، والمشاركة هي التي تضمن تماسك المجتمع وإستقراره، والتماسك والإستقرار الحقيقيين وحدهما ضمانة القدرة على التقدم للأمام.
من هنا، فإنه كما لا يمكن تصور بناء أسس مناخ ديمقراطى حقيقى دون حرية الصحافة والإعلام وحرية الرأي والتعبير بشكل عام، فإنه لا يمكن أن تكون هناك حرية للصحافة والإعلام، دون حرية العمل السياسى السلمى وفقا للدستور والقانون، ودون حرية تشكيل الأحزاب وممارسة أدوارها، ودون حرية الحق في التنظيم، ودون حرية الإنتخاب والترشح ونزاهة وديمقراطية كل عملية إنتخابية، ودون حرية وإستقلال النقابات المهنية والعمالية، ودون حرية تشكيل منظمات مجتمع مدنى وأهلى، ودون حرية العمل الطلابى بكافة أشكاله داخل المدارس والجامعات، هذه وغيرها هي أطر الفرز لكوادر وقيادات المجتمع الطبيعية، والقيود المفروضة عليها أو محاولة تأميمها ومصادرتها أو صناعة بدائل عنها هي الطريق القصير لخلق الفراغ الذى بالتأكيد ستبحث أطراف أخرى عن مساحات وإمكانيات ملأه، والطريق الأكيد لعزل المجتمع عن نخبه وقياداته وفقدان المصداقية والرهان عليها وبالتالي مع غياب الأطر المنظمة والقيادات ذات المصداقية يصبح المجتمع مع تراكم أزماته سائلا لا أطر تنظمه ولا أشكال تجمعه ولا خطاب يعبر عنه، فتصبح الأزمة أعمق وأكبر.
(3)
لا رهان حقيقى على إصلاح سياسى وخلق مناخ ملائم لعمل عام آمن يسمح بالتعدد والتنوع ويتيح المجال لحريات التنظيم والتعبير والحركة، دون إنهاء مأساة إستمرار حبس سجناء الرأي، وهم كل من تم الزج بهم في السجون فقط لتعبيرهم عن رأى أو ممارستهم عملا سياسيا سلميا أو إتخاذهم مواقف معارضة أو خلافهم مع سلطة حاكمة أو أي من مؤسساتها، وهى مأساة طالت بأكثر مما ينبغي، وتوسعت لدرجة غير مسبوقة في السنوات السابقة، وقد شهدنا على مدار أكثر من عام قرارات إخلاء سبيل وعفو عن أعداد منهم، لكنها لم ترقى بعض لما يمكن تسميته فعلا (تصفية ملف سجناء الرأي)، وهى مسألة تحتاج لمعايير وقواعد واضحة، وجهد منظم ومؤسسى، وقناعة حقيقية أن المدخل الصحيح لأى حديث جاد عن إصلاح وإنفتاح سياسى لا بد أن يبدأ من إنهاء ذلك الملف، بكل ما يعبر عنه ذلك من معانى وطنية وسياسية وقانونية وإنسانية، وبكل ما يقدمه من دلالات تحفز وتشجع وتكتسب مصداقية وأثر إيجابى.
ثم بالإضافة لما سبق، فوضع حد سياسى أولا بوقف الملاحقات الأمنية على خلفية المواقف السياسية أو الآراء المختلفة، ثم وضع حد تشريعى لإستخدام سلاح الحبس الإحتياطى طويل المدى عبر تعديلات جادة وحاسمة لكل مواد الحبس الإحتياطى في مختلف التشريعات والقوانين، هما الضمانة الحقيقية لأن المسألة ليست إفراجا عن البعض والقبض على آخرين، ولا كونها مسألة مؤقتة زمنيا ثم يعود الوضع لما كان عليه، وإنما كونها توجها حقيقيا وجادا لطى هذه الصفحة وإنهائها تماما.
في السجون كثير من أصحاب الرأي الذين يحتاجهم الوطن، وكثير من المظلومين الذين لم يرتكبوا جرما، وكثير من المجهولين الذين ربما لا يدافع عنهم أحد لا لموقف منهم وإنما لجهل بأسمائهم وقضاياهم، وهى مسائل تحتاج قرارات حاسمة وتوجهات واضحة وإجراءات عاجلة، ليأتى قريبا اليوم الذى نأمل أن ترفع فيه مصر شعار وطن بلا سجناء رأى.
(4)
في هذا السياق، تأتى تجربة (الحرية) دفاعا عن الحرية، وإيمانا بأنها المدخل لحرية الوطن والمواطن، ويقينا بأن الحرية وحدها هي السبيل الصحيح للتقدم ولتماسك المجتمعات وحيويتها وقدرتها على طرح مشكلاتها بصراحة ومواجهتها بشجاعة، وهى تجربة شجاعة في وقت صعب، وجريئة في وقت ضبابى، لكنها مطلوبة وضرورية لإستعادة خطاب جرى تغييبها، وأصوات جرى تهميشها، وآراء جرى ملاحقتها، ومصداقية لمهنة تعانى وتئن وتحتاج لدماء جديدة وأفكار جديدة وتجارب جديدة، فلا سعى يخيب طالما هناك من يحاول، ولا حرية تأتى إلا بإيمان ويقين المدافعين عنها والمنحازين لها، وبلدنا تستحق الحرية وتحتاج إليها، كما صحافتنا تشتاق للحرية وعليها أن تسعى لها.
















