«واحد اتنين الجيش العربي فين».. قصيدة للشاعر محمد بهجت ألقاها حينما حل ضيفًا على الإعلامية منى الشاذلي ببرنامج العاشرة مساءً عام 2007، ورغم مرور أكثر من 16 عامًا على أبياتها، إلا أنها يتم استدعائها بين الحين والآخر في كل عدوان غاشم تتعرض له الأراضي الفلسطينية من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
القصيدة التي بدأت بسؤال مضمونه «الجيش العربي فين» تناولت بشكل ساخر أوضاع الجيوش العربية، واصفةً إياها بحالة من السلبية والتراجع والسكون، في ظل استقواء جيش احتلال على بلد عربي، بدعم دولي واسع، دون انخراط العرب في تلك الحرب بالعتاد أو الأسلحة أو الجنود.
استدعاء القصيدة يبدو منطقيًا، بالنظر إلى تقرحات الجرح الفلسطيني في الجسد العربي، دون الوضع في الاعتبار أي حسابات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، ودون التفكير في فلسفات الحرب وقسوة قرار خوضها والخسائر اللانهائية لها.
ولكن دعونا بعد 16 عامًا من إلقاء القصيدة نجيب على السؤال من جانب ربما لا يراه البعض، قاصدين أو غير قاصدين، فمصطلح الجيش العربي ذاته ليس له وجود على الأقل في عصرنا الحديث، وربما يتساءل البعض عن جيوش الدول العربية وليس الجيش الموحد المزعوم والذي لن يتحقق.
لماذا لا نبحث سويًا عن أوضاع الجيوش العربية الآن قبل طرح أي سؤال سواء بنوايا خالصة أو لغرض المزايدة والمتاجرة وتأجيج المشاعر؟.
ماذا حدث لجيوش منطقتنا القوية بعد عام 2007 أو قبله وبعده ببضعة سنوات؟، وما واقعنا الإقليمي المتأزم ومتغيرات العالم ومراكز القوى فيه؟
قبل أي شيء لنلقي نظرة على تصنيف جيوشنا العربية في منطقة الشرق الأوسط، بحسب تصنيف موقع جلوبال فاير المتخصص في تنصيف الجيوش.
فبحسب تصنيف عام 2023، جاءت مصر في المرتبة 14 عالميًا في قائمة أقوى الجيوش، لكن سبقها في الشرق الأوسط الجيش التركي الذي حل في المركز 11، وتلاهما الجيشان الإيراني والإسرائيلي في المركزين 17 و18 عالميًا فيما بقيت السعودية في المركز 22، تلاها الجزائر في المركز 26، والعراق في المركز 45، والإمارات في المرتبة 45، والمغرب 61، وسوريا 64، وقطر 65، وتونس في المرتبة 73، تلاها مباشرة اليمن، ثم السودان في المركز 75، يليه الكويت 78، يعقبه البحرين مباشرة، ثم ليبيا في المركز 80، والأردن 81.
نرى هنا أن على صعيد الشرق الأوسط فتصدر الترتيب تركيا ثم مصر وإيران وإسرائيل والسعودية والعراق والإمارات وسوريا وقطر واليمن وعمان والكويت والبحرين والأردن وليبيا.
وعربيًا اعتلت مصر صدارة ترتيب أقوى الجيوش، ثم السعودية والجزائر والعراق والإمارات والمغرب وسوريا وقطر وتونس واليمن.
هذا التصنيف وفق معايير جلوبال فاير التي تعتمد بحسب موقعهم على حجم القوة العسكرية المعلنة في كل الأسلحة، والموقع الجغرافي للدولة، وقدرات كل دولة في شن الحرب عبر كل الأصعدة، وبالطبع معيار سياسي غير معلن.
هذا الترتيب للجيوش العربية الذي تقرأه وأنت تشعر بالنشوة أو التقزم حسب موقعك، ليس الشيء الوحيد الذي علينا أن نسلط الضوء عليه في طرح سؤال «الجيش العربي فين؟»، لكن علينا النظر بتمعن في واقعنا، ولذلك نعود سويًا إلى عام 2003، في وقت الغزو الأمريكي للعراق.
لست من محبين صدام حسين ولم أره يومًا بطلًا قوميًا أو زعيمًا شجاعًا وفق ما أتيح لي من قراءات، بل اتفق مع الطرح الذي يشير إلى مغامراته غير المحسوبة وسياساته الأغرب من قراراته، لكن هذا كله وما يزيد عليه لا يجعلني أبدًا مؤيدًا للمصير الذي لاقاه في نهاية حياته، فدم هذا الرئيس العربي سيظل يلاحق الكثير إلى يوم يبعثون.
الجيش العراقي في عهد صدام حسين وصل إلى ذروة مجده، فكان من أقوى 5 جيوش في العالم، الأمر الذي يجعله بجانب الجيشين المصري والسوري، نقاط حصينة وخط دفاع منيع أمام أحلام أمريكا والغرب في الشرق الأوسط، والعقبة الأولى أمام تنفيذ مخطط المؤرخ اليهودي البريطاني برنارد لويس لتقسيم الشرق الأوسط والمنطقة العربية والتي سميت بـ «سايكس بيكو 2».
البعض كان يتعامل بسخرية مع تناول ذلك المخطط، والذي قسم العراق إلى 3 دويلات، واحدة شيعية في الجنوب، وأخرى سنية، وثالثة كردية، وسوريا إلى 4 دويلات، الأولى علوية، والثانية سنية في حلب، وأخرى سنية في دمشق، ورابعة درزية، ومصر إلى 4 دويلات، الأولى سيناء وشرق الدلتا تحت نفوذ إسرائيل، والثانية النوبة ومناطق من جنوب السودان، والثالثة إسلامية عاصمتها القاهرة، والرابعة مسيحية عاصمتها الإسكندرية.
الآن يمكننا تأمل ذلك المخطط يتحقق، بدأ بتدمير الجيش العراقي وتراجعه للمرتبة 45 عالميًا، وتفتيت العراق بحروب طائفية، ثم رحل إلى سوريا فهناك جيشين، الأول نظامي وطني والثاني يسمي نفسه الجيش الحر، وانقسمت السودان مرتين، الأولى بانفصال الجنوب عن الشمال، ثم انقسم الجيش ودخل في حرب مع ميليشا مسلحة هي قوات الدعم السريع، أما ليبيا فبقي جيشها الوطني يحارب ميليشيات تسمي نفسها وطنية أيضًا، واليمن الآن لا يعرف جيشًا واضحًا.
لم يكن لينجح أي مخطط أمريكي غربي لتقسيم المنطقة إلا بتدمير جيوشها الوطنية، لتبقى عارية في منتصف الطريق، تنازع في حالة اللاسلم واللاحرب، تقاوم من أجل حلم الدولة الواحدة، تتنازع ضلوع جسدها الواحد، وتظل حبيسة صراعات داخلية ومحاطة بكرات من النار.
ذلك المخطط فشل تحقيقه في مصر، وبقي جيشها بجانب الجيش الجزائري، والجيش السعودي، أقوياء متماسكين، ولكن السيف الذي لم يتمكن من طعن قلب المحاربين طعن أطرافهم.
فالجيش المصري الذي يعد رمانة ميزان المنطقة كضلع في مربع القوى العسكرية الأقوى والذي أضلاعه الأخرى تركيا وإيران وإسرائيل، يواجه سيلا من الأزمات على حدوده الأربعة.
فناحية سيناء تبقى إسرائيل بمخططها الواضح لإعادة احتلال أرض الفيروز وتلك المرة بدافع تهجير سكان غزة ومنح مصر ما طاب من الأموال، وفي الجنوب صراع سوداني سوداني حول السلطة، بأطراف دولية تتنازع داخل الأرض العربية، وفي الغرب ليبيا حيث واقع اللادولة وشريط حدودي واسع للغاية لتأمينه مشقة خاصة، وفي شرق المتوسط تدافع الدولة المصرية عن حقوقها في الغاز بجانب تأمين منافذها البحرية، فضلًا عن ضغوط دولية للدفع بمصر في معارك بالوكالة عن قوى أخرى، ترفضها مصر رفضًا قاطعًا.
أما الجيش الجزائري فهو منكب على تأمين حدوده فقط، عكس الجيش السعودي الذي اشتبك في الصراع اليمني ضمن التحالف العسكري الذي يسمى «التحالف العربي لدعم الشرعية».
بعد استعراض ترتيب جيوشنا عالميًا وإقليميًا وعربيًا، والنظر إلى واقعنا المأزوم في كل المنطقة، أظن أن الإجابة على سؤال «الجيش العربي فين؟» باتت واضحة، والسؤال الاستنكاري عن جدوى المشروع الكبير لإعادة تسليح الجيش المصري جلية.
كل جيش قوي وكبير يخوض حروبًا باردةً على أطرافه، وأخشى ما أخشاه أن نعيد ذلك السؤال بصيغة البحث لا النقد، فبعد تدمير جيوش العراق وسوريا وليبيا والسودان، بأياد خارجية لكن قبلها أياد داخلية، يبقى الجيش المصري الوحيد الذي يحافظ على اتزان تلك المنطقة وثباتها وحالة السلم فيها.. أعدائنا الخارجيون واضحون ونحن لهم، أما بعض من يحملون جنسية هذا الوطن ويحاربونه ليلًا نهارًا فقضيتهم أصعب.





















