لم يكن أبدًا بعيدًا عن السلطة الحالية ولا معارضًا لها ولا ناقدًا لسياساتها، ولم يكن في برنامجه الذي يقدمه على قناة إم بي سي السعودية محايدًا في تناوله الإعلامي لكل القضايا السياسية، ولم نضبطه يومًا متلبسًا بقواعد موضوعية وبديهية في ممارسة العمل الإعلامي، بل كان على طول الخط منحازًا للسلطة ومدافعًا عنها ومبررًا لكل السياسات التي تتبعها، وهو حقه تمامًا أن ينحاز لما يرى أنه الصواب.
اللغز الأول: منذ أيام ظهر عمرو أديب- من لندن- متحدثًا عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومنذ اللحظة الأولى تستطيع أن تدرك أن لهجة أديب مختلفة، ودعوته لنزاهة الانتخابات والتمسك بقواعد التنافس والتعدد مختلفة عن كل ما كان يقول وما كان يعتقد، وهو أمر بسيط تستطيع أن تدركه بمجرد العودة إلى أرشيف الإعلامي الشهير في «يوتيوب» لتقارن ما كان يقول في الماضي القريب بما يردده الآن عن النزاهة والحيادية، وعن وضرورة أن تكون الانتخابات تنافسية وتعددية، وأن يتمسك فيها الإعلام بمبدأ الحياد، وهو المبدأ الذي يقول التاريخ أن «أديب» لم يتمسك به يومًا.
في نفس هذا اللغز يحذر عمرو أديب طرفين- لم يسمهما- من «طربأة» البلد إذا ما أصر كل فريق على نفي الآخر، وإذا ما ظن كل منهما أنه يمكن أن يعيش دون الطرف الثاني، ورغم أن أحد الطرفين معروف بالبديهة ومفهوم بالمنطق وهو السلطة الحالية فإن الإعلامي المعروف لم يذكر من هو الطرف الثاني الذي يقصده، لا سيما أن أحدًا- حسب معلوماتي- لم يهدد لا “بطربأة” ولا يحزنون، وكل القوى الموجودة على الساحة تتحدث إما عن التغيير السلمي الديمقراطي عبر صناديق الانتخابات وتحت سقف الدستور، أو عن الإصلاح السياسي التدريجي عبر الحوار.
بعد هذه الحلقة واصل عمرو أديب لغز تحوله الغريب وقدم حلقة جديدة من برنامجه يطالب فيها المرشحين للرئاسة بتقديم برامج انتخابية تجيب عن أسئلة في قضايا مهمة مثل الديون والغلاء وسد النهضة الإثيوبي والحريات العامة والحبس الاحتياطي، ويختتم حديثه بالدعوة لمناظرات بين المرشحين للرئاسة، وهو أمر يبقى الغريب الوحيد فيه أن يصدرعن عمرو أديب الذي بدا بهذا الشكل الجديد يحمل رسائل غير مفهومة ولا واضحة.
اللغز الثاني: يواصل عمرو أديب تقديم برنامجه من لندن، بعد أن كان يقدمه من القاهرة، رغم أنه في أول ظهور تليفزيوني له بعد الأجازة السنوية أكد أنه في مهمة عمل سريعة في لندن ستنتهي خلال يوم أو اثنين يعود بعدها إلى القاهرة، هذا الكلام مر عليه نحو عشرة أيام، فلا عاد عمرو أديب، ولا برر تأخر عودته، بما جعل الشائعات تتناثر حول عدم عودته واستمراره في لندن، أو غضب السلطة في مصر منه وتأجيل عودته حتى إجراء حوارات مع الجهات المعنية، وفي كل الأحوال يبقى عدم عودته لغزًا غريبًا لا سيما أنه لم يبرره أو حتى يعد الناس بميعاد جديد للعودة والظهور على الشاشة من القاهرة.
اللغز الثالث: حديث تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية مع عمرو أديب أمس في برنامجه من لندن، وخلال الحوار الطويل حدث أمرين ملفتين للغاية: أولهما تأكيد تركي لعمرو أديب أنه “صناعة سعودية”، اختار الوزير السعودي كلمة “صناعة” وهي كلمة لا تليق بالحديث عن إعلامي مصري، ثم لم يكن رد أديب أكثر من الموافقة والتأكيد على فخره بهذه الصناعة السعودية، وكأن حديث الوزير هو نوع من “الغطاء والدعم السياسي” لأديب ومواقفه الأخيرة والغريبة، والتأكيد أن الدولة السعودية تدعم أحد الذين كانت سببًا في صناعتهم، ثم كان التأكيد على كلام الوزير “بمفاجأة” جديدة قصدها تركي آل الشيخ وهي تجديد عقد عمرو أديب في إم بي سي أثناء البرنامج وعلى الهواء مباشرة بمقابل مادي أكبر وامتيازات أفضل- كما أكد الوزير السعودي في حديثه- وهو تأكيد جديد على المعنى السابق بأن الدولة السعودية متمسكة بعمرو أديب وبرنامجه وما يقدمه وما يقوله!
ألغار عمرو أديب الأخيرة تحتاج إلى تفسير في علم السياسة وليس مجرد رصد وتحولات في مواقف إعلامي معروف، وربما تحمل الأيام المقبلة الإجابة عن كثير من التساؤلات والألغاز والغموض.






















