في الوقت الذي نحتاج فيه إلى خطاب متزن يُعيد الاعتبار لقيم الشراكة والعدل داخل المجتمع، تخرج علينا بعض التصريحات التي تُعيد إنتاج الاستقطاب وتؤسس لكراهية متبادلة، تحت لافتة الدفاع عن المرأة.
خرجت علينا النائبة عبلة الهواري القادمة من رحم مركز الأمومة والطفولة بتصريحات صادمة ومسيئة للرجل لا يمكن قراءتها إلا في هذا السياق المقلق، حيث يتم اختزال الرجل في صورة نمطية ظالمة، وتحميله وزر كل اختلالات المجتمع، وكأنه كائن معادٍ بالفطرة.
المؤسف أن هذا الخطاب الذى خرج من هذه العبلة لا يخدم المرأة بقدر ما يسيء إليها، لأن العدالة لا تُبنى على الإقصاء، ولا تُنتزع الحقوق عبر تشويه طرف كامل من المجتمع، فالرجل ليس كتلة واحدة من القهر أو الاستبداد، كما أن المرأة ليست دائمًا الضحية المطلقة، العلاقات الإنسانية أعقد من هذا التبسيط المُخل.
الخطاب الذي يُشيطن الرجل يفتح الباب أمام صراع وهمي بين الجنسين، ويصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية وهو غياب العدالة الاجتماعية، ضعف القوانين الرادعة، وتراكم أنماط ثقافية خاطئة يتحمل مسؤوليتها الجميع، رجالًا ونساءً، كما أنه يمنح المبرر لمن يريد الرد بخطاب مضاد لا يقل تطرفًا، فنقع في دائرة كراهية لا نهاية لها.
كان الأجدر من هذه العبلة أن تدعو إلى إصلاح المنظومة بحيادية لانها نائبة تمثل الرجل والمرأة، لا إلى محاكمة نوع اجتماعي كامل، وأن تُفرّق بين السلوك الفردي والخطأ المجتمعي، لا أن يُعمّم الإدانة في صورة إهانات أو أوصاف جارحة تمس ملايين الرجال الذين يقومون بدورهم كآباء وأزواج وأبناء وشركاء في الكفاح اليومي.
الأكثر خطورة في تصريحات هذه العبلة هو تحذيرها من استضافة الطفل لدى والده بدعوى الخوف من التحرش، مقابل اعتبار وجود الطفل مع زوج الأم مصدر “أمان وطمأنينة”.
هذا الطرح لا يكتفي بإقصاء الأب، بل يزرع شبهة أخلاقية عامة حول علاقة الأب بابنه، وكأن الأصل فيها الريبة لا الرعاية، وهو افتراض بالغ الخطورة، لا يستند إلى منطق ولا إلى علم ولا إلى إحصاءات موثوقة.
فالتلميح بأن الأب يُمثّل خطرًا محتملاً على طفله لمجرد كونه رجلًا، هو تعميم جائر يضرب في صميم مفهوم الأبوة، ويهدم الثقة التي يفترض أن يحميها المجتمع لا أن يشكك فيها.
والأدهى من ذلك، اعتبار وجود الطفل مع زوج الأم ضمانة تلقائية للأمان، وكأن القرب البيولوجي خطر، بينما الغريب بحكم الزواج ملاذ آمن، وهو منطق مقلوب يتجاهل أن أي إساءة محتملة تُقاس بالسلوك الفردي لا بالصفة أو النوع.
مثل هذا الخطاب لا يحمي الأطفال، بل يربك وعيهم، ويخلق خوفًا مصطنعًا، ويؤسس لقطيعة نفسية بين الطفل ووالده، قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، فالحماية الحقيقية لا تكون بزرع الشك، بل بتطبيق معايير واضحة، ورقابة قانونية عادلة، ومحاسبة حازمة لأي مُسيء، أيًّا كان موقعه أو صفته.
وتتجلى الازدواجية بوضوح في رفض عبلة الهواري أحقية الجد والجدة من جهة الأب في رؤية أحفادهم، متسائلة باستخفاف: “هيستفيدوا إيه من رؤيتهم؟”، وكأن صلة الرحم تُقاس بالمنفعة المباشرة لا بالقيمة الإنسانية والتربوية والعاطفية.
هذا الطرح لا يعكس فقط جهلًا بدور الأجداد في التكوين النفسي للطفل، بل يكشف منطقًا نفعيًا قاصرًا يختزل العلاقات الأسرية في حسابات مادية باردة.
الأكثر فداحة هو ما كشفه الحوار ذاته، حين سألها المذيع عمّا إذا كانت ترى أحفادها، فجاءت الإجابة عفوية وصادمة في تناقضها: “كل يوم”.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يُحلَّل ما يُمارَس للنفس، ويُحرَّم على غيرها؟ وكيف يُنزع الحق الإنساني ذاته من أجداد فقط لأنهم من جهة الأب؟.
هذا التناقض لا يمكن تبريره باختلاف الظروف، لأنه صادر عن منطق واحد يُقصي طرفًا كاملًا من العائلة دون معيار عادل أو مصلحة مُثبتة للطفل، وهو ما يجعل الخطاب فاقدًا للمصداقية، ومشحونًا بتحيّز واضح، لا علاقة له لا بحقوق الطفل ولا بالعدالة الأسرية.
إن حرمان الطفل من أجداده ليس حماية، بل اقتطاع لجزء من ذاكرته وانتمائه وتاريخه العائلي، ومن يستخف بقيمة هذه الروابط، إنما يتحدث من موقع رؤية ذاتية ضيقة، لا من فهم اجتماعي أو تربوي مسؤول.
كما طالبت بامتداد سن الحضانة إلى 18 عامًا، مع عدم سقوطها بزواج الأم، وهو طرح يرسّخ عمليًا لإقصاء الأب لسنوات طويلة، ويُعمّق القطيعة بين الطفل ووالده، متجاهلًا مبدأ التوازن الأسري وحق الطفل في وجود الأبوين داخل حياته، لا أحدهما فقط.
وهو طرح لا يمكن فصله عن نتائجه الخطيرة، إذ يؤدي عمليًا إلى توسيع الفجوة بين الطفل ووالده، وتحويل الغياب القسري للأب إلى أمر طبيعي مع مرور الوقت، بما يحمله ذلك من آثار نفسية وتربوية عميقة على الطفل، لا تُعالَج ولا تُعوَّض لاحقًا.
إن أي اعتذار يصدر في هذا السياق من هذه العبلة لا يمكن اعتباره كافيًا أو مقبولًا، لأن ما قيل لم يكن زلّة لسان عابرة، بل خطابًا مهينًا خلّف جرحًا واسعًا وفجوة حقيقية في الثقة، فالإهانة حين تصدر من شخصية عامة، وتحديدًا ممن تشغل موقعًا تمثيليًا، لا تزول بكلمات اعتذار متأخرة، بل تظل آثارها قائمة في الوعي العام.
المؤلم أن هذه التصريحات صدرت عن مسؤولة كنا نعتقد أنها نائبة عن جميع المصريين، لا عن فئة بعينها، وأنها معنية بحماية التوازن المجتمعي لا بتغذيته بالاستقطاب، لكن ما طُرح على الرأي العام كشف بوضوح غياب الرؤية الشاملة، واستبدال المسؤولية بخطاب انفعالي يفتقر للحكمة والاتزان.
المشكلة لم تعد في تصريح واحد، بل في نمط تفكير يتكرر، ويُنذر بأننا ما زلنا مقبلين على المزيد من المواقف المماثلة ما لم تكن هناك مراجعة حقيقية وجادة لهذا النهج، فالمناصب العامة لا تُدار بالشعارات ولا بالاستعراض، بل بالوعي، والعدل، والإحساس بثقل الكلمة حين تخرج إلى الناس.
في النهاية، تبقى علاقة الرجل بأولاده خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه أو العبث به تحت أي ذريعة أو خطاب شعبوي، فالأبوة ليست منّة، بل حق طبيعي، ومكوّن أساسي في بناء الإنسان السوي، وأي محاولة لكبت هذا الحق أو مصادرته بالقانون أو بالتشويه المعنوي، لا تصنع استقرارًا، بل تزرع احتقانًا مكتومًا.
والتاريخ الاجتماعي يعلّمنا أن الكبت يولّد الانفجار، وأن الظلم حين يُقنَّن يتحول إلى قنبلة مؤجلة تهدد الأسرة قبل أن تهدد الرجل ، لذلك، فإن استمرار القوانين الجائرة التي تُقصي الأب وتُهمّش دوره لا يضر الرجال وحدهم، بل ينعكس مباشرة على الأطفال، الذين يدفعون ثمن صراعات لم يكونوا طرفًا فيها.
إن المطلوب اليوم ليس انحيازًا لطرف ضد آخر، بل مراجعة شجاعة وعادلة لقوانين الأحوال الشخصية، تضع مصلحة الطفل أولًا، وتحفظ التوازن بين الأبوين، وتُعيد للأسرة معناها الحقيقي كشراكة ومسؤولية مشتركة، لا كساحة صراع أو تصفية حسابات، ومن حقنا كرجال ان نقول رساله هامة للنائبة “عبلة ومسكوها طبلة”.






















