ارفعوا الأقلام وجففوا الحبر، فقد نطق الرصاص النووي وصمتت الدبلوماسية للأبد، ما شهدناه في الساعات الأخيرة هو “الانقلاب الكبير” على كل مواثيق الأمم المتحدة، من النقب إلى طهران لم تعد المسافة تقاس بالكيلومترات، بل بـ “الثواني” التي تفصلنا عن الضغط على الزناد الأخير، “ديمونة” لم يعد حصنا و”طالقان” لم يعد سرا، والمنطقة باتت معلقة في “مشنقة” الحسابات الخاطئة.
نحن نعيش “الجنازة الرسمية” لمبدأ الردع، إسرائيل التي تغنت بـ “السقف الفولاذي” سقط سقفها تحت وطأة “فوضى الصواريخ”، وأمريكا التي تلاحق “أشباحا” في مياه الخليج تدرك يقينا أن اللعبة خرجت عن السيطرة، استهداف المفاعلات ليس تكتيكا عسكريا بل هو “إرهاب بيئي” برعاية دولية، إنهم يراهنون بـ “كرت شمشون” الأخير، والنتيجة لن تكون نصرا لأحد بل “صمتا إشعاعيا” مطبقا يلف المنطقة.
رقصة الموت فوق المفاعلات، هل وقعت إسرائيل وإيران “محضر فناء” الشرق الأوسط، فعندما وصلت الصواريخ الإيرانية إلى محيط مفاعل ديمونة لم يكن الهدف تدمير جدران الخرسانة، بل تدمير “عقيدة الردع الإسرائيلية” في مهدها، إسرائيل التي ظنت أن سماءها “سقف من فولاذ” اكتشفت أن “الإغراق الصاروخي” يمكنه أن يثقب المستحيل، وأن كثافة النيران قادرة على كسر أكثر المنظومات تعقيدا.
لتتحول المعركة إلى اختبار بقاء حقيقي، وفي المقابل جاء الرد الإسرائيلي الأمريكي على مجمع “طالقان” ليعلن للعالم أن “اللعبة النووية” الإيرانية وصلت إلى خط النهاية، نحن لا نتحدث عن ضربة عسكرية تقليدية بل عن “جراحة استئصال استراتيجية” تحاول نزع مخالب نووية قبل أن تتحول إلى قوة ذرية فتاكة، رسالة تقول إن زمن التحذيرات انتهى وأن المواجهة دخلت مرحلة لا تقبل التراجع.
فإننا نعيش عصر “السقوط الحر”، سقوط السقوف الفولاذية عندما انكسر كبرياء “ديمونة” تحت أقدام “طالقان”، أثبتت الساعات الماضية أن التكنولوجيا ليست كل شيء، وأن التفوق النظري يمكن أن ينهار أمام ضغط الواقع، الـ 72 ساعة الأخيرة كانت بمثابة “جنازة رسمية” لمفهوم الدفاع الجوي المطلق، عندما تسقط الشظايا في باحات القدس ومحيط المفاعلات فهذا يعني أننا أمام “فوضى منظمة”.
تعتمد على الكثافة لا الدقة، واشنطن دخلت الخط بـ “الغضب الملحمي” لكن الحقيقة أن أمريكا الآن تطارد “شبحا” انتشرت أذرعه في كل شبر من المضايق حتى الجبال، صراع متعدد الجبهات لا يمكن احتواؤه بسهولة حيث تختلط فيه الحروب غير المتكافئة مع الضربات الدقيقة، وتتحول فيه الجغرافيا إلى شبكة تهديد مفتوحة تجعل أي تفوق عسكري تقليدي عاجزا عن فرض نهاية واضحة.
المقامرة بالتراب والهواء، ضغطة زر واحدة ونصبح جميعا غبارا، كواليس الـ 72 ساعة التي أنهت العالم القديم تؤكد أن ضرب المنشآت النووية هو “كارت شمشون” الأخير، من يضرب مفاعلا لا يضرب نظاما سياسيا فقط بل يضرب “البيئة” و”المستقبل”، استهداف “طالقان” ليس مجرد عملية عسكرية بل رسالة انتحارية تقول “إما نحن أو الغبار النووي”.
حيث يتحول القرار إلى مقامرة بسلامة الأرض والهواء، لم يعد السؤال هل ستمتلك إيران القنبلة بل أصبح السؤال هل سيبقى في المنطقة “هواء” صالح للتنفس بعد أن تشتعل هذه المفاعلات، لأن أي خطأ أو تصعيد غير محسوب قد يطلق سلسلة كوارث لا يمكن السيطرة عليها، ويحول الصراع من نزاع سياسي إلى كارثة بيئية وإنسانية تتجاوز حدود الدول والجغرافيا.
وتترك آثارا ممتدة لعقود طويلة قادمة على كل أشكال الحياة، تعيش المنطقة فوق “صفيح ساخن” ونحن أمام مشهد “عبثي” بامتياز، صواريخ تمر فوق المقدسات وأساطيل تغلق البحار وشعوب تنتظر “البيان رقم 1” من مجهول، الإبداع الثقافي العربي والمصري اليوم أمام مسؤولية توثيق هذه اللحظة لأنها ليست مجرد حرب بل لحظة انكسار لنظام عالمي قديم.
وولادة نظام جديد لا يعترف إلا بمن يمتلك القدرة على الضغط الأسرع على الزناد، هذه اللحظة تفرض على المثقف أن يكون شاهدا لا صامتا وأن يحول الألم إلى سرد والخوف إلى وعي، لأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط بل يكتبه من فهموا التحولات الكبرى واستطاعوا التقاط روح الزمن في لحظة انهياره وإعادة تشكله من جديد.
وتحويل الفوضى إلى معنى يمكن للأجيال القادمة أن تفهمه وتتعلم منه، كلمة أخيرة للتاريخ إلى كل المحللين والجنرالات القابعين في المكاتب المكيفة انزلوا من أبراجكم العاجية، ما حدث في الـ 72 ساعة الماضية هو “بروفة” لنهاية العالم كما نعرفه، إذا لم يتم لجم هذا الجنون النووي فورا فإننا لن نجد أحدا يكتب التاريخ.
لأن الحبر سيجف والورق سيحترق ولن يتبقى إلا الرماد الذي يروي قصة النهاية، الشرق الأوسط لا يشتعل بل يذوب، ليسمعها العالم بوضوح التاريخ لن يرحم الصامتين، الشرق الأوسط يذوب في أتون صراع “صفري” لا رابح فيه، إذا لم يتم لجم هذا الهذيان الذري فورا فإن “البيان رقم 1” القادم لن يصدر من إذاعة بل من غيمة فطرية سوداء تغطي سماءنا جميعا.

















