ها أنذا .. معلقاً في سماء العالم الممتد بينما قلبي هناك مرشوقاً في أرض الفراعنة كوتد ..
كأن رحلاتي بجسدي طائرات ورقية مشدودة بحبل صري إلي أرض الوطن ..
نعم .. هو العشق الذي يشبه عناق شجرة من الشوك ، هو يقظة الوجد وغياب الواحد في المجموع ، هو لحظة التحقق والكشف ولحظة الإلتحام بشمس تضيئ ولا تحرق .. هو الكلمات المشرأبة سعياً إلي خلود لا يطال ..
في الطائرة جلس إلي جوارنا أمريكي كهل ، كان في زيارة إلي مصر بهدف نعنشة عظامه التي بلغت خدمتها 65 عاماً ، كان يثرثر طول الوقت خلال الرحلة التي بلغت 12 ساعة .. عبثاً حاولت الإفلات من حكاياته وأسئلته التي لا تنتهي .. ادعيت النوم لكنه لم يعترف أبداً بأن الأجفان حين تنغلق فإن ذلك يعني نوماً ، حتي عندما تركت المقعد وزعمت أنني ذاهب إلي دورة المياه ، واصل حديثه مع .. زوجتي !! ..
الأمريكي العادي لا يكاد يعرف ما يحدث خارج الولايات المتحدة ، وأحياناً خارج ولايته ، وبعضهم يبدو كنباتات عملاقة لكنها طافية بلا جذور ، وهذا الرأي لم يتكون نتيجة لحديث ذلك الكهل اثناء رحلة الطائرة وإنما محصلة قراءات ولقاءات عديدة ..
في بعض حوارنا قلت للكهل أن أمريكا قدمت للبشرية أهم اختراعين وهما الكومبيوتر والقنبلة الذرية ، إلا أنه قال بإصرار أن أهم ما قدمته هو American Dream أو الحلم الأمريكي ، وعندما سألته عن مكونات هذا الحلم ، تحدث الرجل لمدة نصف ساعة لكنني لم أفهم ما يعنيه من هذه الجملة الرشيقة ، فربما هو حلم نفسي يحتاج لنفسية خاصة كي يمكن استيعابه ، وربما هو مجرد وهم لأن إيقاع الحياة المادية قد بخر الأحلام ، وفي الصراع المحتدم من أجل الدولار ولا يمكن أن نتصور شخصاً حالماً .
والإستنتاج الأول هو أن الأمريكي يؤمن بأنه يعيش في أحسن دولة في العالم ، وأنه أسعد مجتمع ، وأن المستقبل يخفي المزيد من السعادة والرفاهية .
أن النجاح بالنسبة للأمريكي يقاس بمعيار نسبي ، فأن تعمل بشكل جيد معناه أن تعمل ما لا يستطيع أحد آخر أن يعمله ، أو أفضل مما عملته أنت شخصياً في الماضي ، والنجاح يعني الربح ، وهذا الربح يفترض وجود منافسة أزلية لا بد أن تنتهي بطرف ناجح وطرف خاسر ، وأحياناً يكون التنافس مع الآخرين – وهو أوضح أنواع التنافس – وأحياناً يكون التنافس مع الذات ، وحينذاك يتحول الإنسان نفسه إلي رابح وخاسر في آن واحد ..
للوهلة الأولي تشعر بأن الحرية الفردية في أمريكا قد وصلت إلي درجة لم تصلها أي دولة أخري في العالم أو التاريخ ، لذلك فمن الصعب المحافظة علي أي سر فيها ، سواء أسرار الدولة العظمي ، أو علي المستوي الشخصي ، ومن نتائج ذلك أمكن للمجتمع الأمريكي أن يواجه مظاهر الفساد ، فوجدناه مثلاً يزيح رئيس دولة بعد فضيحة ” ووتر جيت “، ويهاجم الحرب في فييتنام ، وينتقد بشدة مظاهر التجاوز في الأجهزة الأمنية ..
أمريكا بالفعل دولة فريدة في أشياء كثيرة .. في تاريخها وسياستها واقتصادها وثقافتها وشعبها ، بل وفي جغرافيتها ، فعلي سبيل المثال لا تقسم أمريكا إلي مناطق جغرافية أو اتجاهات رئيسية فحسب ، وإنما تنقسم زمنياً أيضاً ، ففيها أربعة أزمنة في نفس الوقت من آلاسكا إلي هاواي ، وكذلك أربعة مناطق : الغرب وشمال الشرق والجنوب والشمال المركزي ، ومن ناحية السكان ، فالتنوع أكثر حدة وأشد عمقاً ، فلا زالت هناك أمريكا البيضاء وأمريكا السوداء ، وأمريكا التي تتحدث الإنجليزية ، وتلك التي تتحدث اللغة الأسبانية .. هناك أجناس الأرض جميعاً وأديانها المختلفة ، حتي أنه يمكن القول ببساطة أن أمريكا هي المتحف المعاصر للإنسان ! .
وبينما كانت الطائرة تتأهب للهبوط في مطار ج . ف . كيندي ، قال لي جاري الأمريكي وهو يتثاءب : ” أن أمريكا أمة عظيمة ، لا تستطيع أن تحلم أحلاماً صغيرة ” ، فقلت له شارداً : “فعلاً .. الأمم العظيمة لا ينبغي لها أن تحلم أحلاماً صغيرة ،أو تتصرف تصرفات صغيرة ” .
وكان عقلي يسافر تلك اللحظة في اتجاه عكسي إلي أرض النيل الشامخة التي كانت وستظل علامة بارزة في تاريخ البشرية …



















