إذا أردت أن تفهم ما جرى في مونديال الولايات المتحدة، فلا تبدأ من صافرة الحكم بل ابدأ من دفاتر الحسابات.
فنحن لا نتحدث عن بطولة لكرة القدم، وإنما عن أكبر مشروع تجاري في تاريخ الرياضة.
تشير تقديرات الاتحاد الدولي إلى أن دورة كأس العالم الحالية ستدر إيرادات تقترب من 13 مليار دولار خلال الدورة المالية 2023-2026، أي بزيادة تقارب 73% مقارنة بالدورة السابقة، لتصبح البطولة الرياضية الأكثر ربحية في التاريخ.
وتأتي أكثر من 4.2 مليار دولار من حقوق البث التلفزيوني، وأكثر من 2.8 مليار دولار من عقود الرعاية والإعلان، بينما تقفز إيرادات التذاكر والضيافة إلى نحو 3 مليارات دولار بفضل زيادة عدد المنتخبات والمباريات من 64 إلى 104 مباريات.
هذه ليست كرة قدم فقط.. إنها صناعة رأسمالية عملاقة، وإذا أضفنا إلى ذلك أن حجم المراهنات المرتبطة بالمونديال يقدر بعشرات المليارات من الدولارات في الأسواق القانونية، بينما تشير بعض الدراسات إلى أن إجمالي المراهنات القانونية وغير القانونية قد يتجاوز نصف تريليون دولار، يصبح من الواضح أننا أمام سوق مالية كاملة، لا مجرد منافسة رياضية.
في مثل هذه الصناعة، لا يصبح القرار التحكيمي مجرد تقدير بشري، بل حدثًا قد يغيّر تدفقات مالية هائلة، ويؤثر في أسواق مراهنات وإعلانات ومتابعات جماهيرية حول العالم.
لهذا لم يكن غريبًا أن يتحول مونديال أمريكا إلى واحد من أكثر المونديالات إثارة للجدل.
فمنذ انطلاق البطولة، لم تتوقف الاعتراضات على تطبيق تقنية الفيديو، وتفاوت معايير التدخل، وطريقة إدارة بعض المباريات، كما تعرضت البطولة لانتقادات بسبب أسعار التذاكر المرتفعة التي وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 11 ألف دولار للمباراة النهائية وفق نظام التسعير الديناميكي، إضافة إلى الجدل حول فترات التوقف الإلزامية بسبب الحرارة واستغلالها إعلانيًا، ومشكلات النقل، والانتقادات البيئية المرتبطة بتوسيع البطولة إلى 48 منتخبًا و104 مباريات.
ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتصبح ذروة هذا الجدل.
إلغاء هدف مصري بعد العودة إلى تقنية الفيديو، واعتراضات على عدم احتساب ركلة جزاء قبل الهدف الثالث للأرجنتين، وموجة واسعة من الانتقادات بعد المباراة.
قد يرى البعض أن الحكم طبق القانون، وقد يرى آخرون أنه أخطأ في تقديره، لكن المؤكد أن الثقة في حياد المنظومة التحكيمية تعرضت لاختبار جديد، ولا يتعلق الأمر بهذه المباراة وحدها، بل بسياق كامل من الجدل الذي رافق البطولة.
غير أن القضية، في تقديري، أعمق من أخطاء الحكام.
إنها قضية نموذج اقتصادي.
فعندما تتحول الرياضة إلى سلعة، تصبح البطولة منتجًا، واللاعب أصلًا ماليًا، والجمهور مستهلكًا، والمباراة فرصة لتحقيق الأرباح. وهنا تبدأ الضغوط التجارية في التمدد إلى كل مفاصل اللعبة.
وهذا ليس استثناءً داخل الرأسمالية، بل هو أحد قوانينها الأساسية، فالمنطق الذي حول التعليم إلى سوق، والصحة إلى استثمار، والسكن إلى أداة للمضاربة، هو نفسه الذي حوّل كرة القدم إلى صناعة عالمية تتقدم فيها مؤشرات الأرباح على قيم المنافسة.
لهذا لا يمكن فصل ما يحدث في الرياضة عن السياق الأوسع لأزمة المنظومة الغربية، فبينما تتباطأ الاقتصادات الغربية، وتتضخم الديون الأمريكية إلى مستويات تاريخية، ويتراجع الوزن النسبي للغرب في الاقتصاد العالمي، تبحث الرأسمالية عن مجالات جديدة لتعظيم الأرباح، حتى لو كان ذلك عبر تسليع آخر المساحات التي كانت تبدو بعيدة عن منطق السوق.
إن الأزمة الحقيقية ليست في تقنية الفيديو، ولا في قرار حكم، ولا حتى في مباراة مصر والأرجنتين، الأزمة أن الرأسمالية لا تعرف حدودًا لتوسعها، وكلما دخل رأس المال مجالًا جديدًا، أعاد تشكيله وفق منطقه الخاص: (تعظيم الربح)، وعندها يصبح الربح هو الحكم الأول والأخير، وتبدأ العدالة في الجلوس على مقاعد “الاحتياطي”.





















