إن أَنكر العشاقُ فيكِ صبابتي
فأنا الهوى وابن الهوى وأبيهِ
أشعر بها سلطان العاشقين ابن الفارض حبًا في محبوبته، وأنا أرددها لكِ يا مصر إلى أن يتوقف الزمان ويتلاشى المكان.
أما وقد حان وقت الاصطفاف من جديد، فليس بالجديد أن يصطفَّ المصريون شعبًا وجيشًا ليسطِّروا ملاحم تاريخية من الانتصارات، تُضاف إلى سجل بطولاتهم الجسورة التي شهد عليها الحجر والشجر.
على الشامخات من صخور جبال الحرية حُفِرت أحداثها، وبمدادٍ من دماء زكيةٍ على صفحات قلوب الإنسانية نُقِشت معانيها، وتزيَّنت بها السمراء.
وما بين الفَيْنَةِ والفَيْنَة، وعلى مرِّ التاريخ والأزمان، يُلقِّن المصريون دروسًا في الشجاعة والشرف للمارقين عن الأدب الدولي، وللوهميين المغمورين والمهووسين بقواهم الكاذبة.
سلوا التاريخ، ففي جعبته الكثير من بطولات العسكرية المصرية.
فمنذ فجر التاريخ، ولا يزال المصريون يسجِّلون أروع الانتصارات القتالية، مرورًا بحروب العصر الحديث في عهد الأسرة العلوية، حتى العصر الجمهوري الحديث، فكان النصر حليفهم في حملة فريزر عام 1807، والحرب الوهابية (1811-1819)، والحرب العثمانية الأولى (1831-1833)، والثورة المهدية (1881-1899)، وحرب أكتوبر المجيدة عام 1973، والحرب المصرية الليبية عام 1977.
خمسة حروب خاضتها مصر بشراسة وشرف، دفاعًا عن فلسطين والعروبة، وما قامت به القوات المسلحة المصرية في عملية عاصفة الصحراء خلال حرب الخليج الثانية (1990-1991) لتحرير دولة الكويت.
والاصطفاف ليس للعسكريين فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا نخب القانونيين والساسة والأدباء والمثقفين، والمؤثرين فنيًا، والذائبين في حب مصر من المعارضين قبل الموالين.
وهو ما يجب أن يحدث في مواجهة فزَّاعة الدعوى الخرقاء التي أطلقها المتطرف ترامب بنبرة شيطانية حول اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإعادة غرسه في الأراضي المصرية، تحت مزاعم واهية بإعمار غزة، ساعيًا بذلك إلى إشاعة الفوضى السياسية العالمية، وهو ما يهدد الأمن القومي المصري وينال من استقراره.
فهيهاتَ هيهاتَ، إنما يمرض الوطن ولا يموت، ما دام المصريون على قلب رجل واحد، وبقبضة حديدية واحدة يُدْمون بها كل الحماقات الدولية، ويردعون بها كل بلطجة محلية كانت أو دولية.
ويستلزم ذلك أن تتخذ القيادة السياسية عدة قرارات من شأنها رأب الصدع، وبناء تكتل شعبي شديد البأس في وجه كل من تُسَوِّل له نفسه أن يحيك المؤامرات ضد الوطن، ومن تلك القرارات – على سبيل المثال لا الحصر – إطلاق سراح المحبوسين من أصحاب الرأي السياسي السلمي، والإفراج عن سجناء الجرائم السياسية، ما لم يشكِّل ذلك خطرًا محققًا على الأمن القومي، بموضوعية وتجرد.
ورغم أنني لست ممَّن يهوون السياسة حديثًا وكتابة، لقناعتي بأن ما يبثه الإعلام وينفخ به في أبواقه ليس إلا ما يريد النظام الحاكم البوح به وإفهامه للشعب، حتى وإن جانب عين الحقيقة، وأن هناك الكثير من المرائين والمزايدين على مواقف السلطة، ممن يجيدون التعريض – بوصفه أحد الفنون البلاغية – بانتزاعه ووضعه في غير محله، وإعادة تدويره لخدمة سياسات بعينها، وبأن السياسة – رغم كونها علمًا – إلا أن كل من هبَّ ودبَّ يتحدث فيها وعنها،
إلا أن ما يواجهه الوطن من تحديات على المستويين الإقليمي والدولي يوجب على كل وطني شريف، غيور على عرضه وأرضه، أن يتدثر بدرعه ويشهر سيفه، وأن يزاحم الصفوف الأولى من المعركة للدفاع عنه، كلٌّ حسب موقعه وهويته، بما يملكه من مهارة قتالية إن كان عسكريًا، وبقوة الكلمة وتأثيرها إن كان كاتبًا، وبقوة الحجة إن كان محاميًا، وبسلامة القضاء إن كان قاضيًا، وبإبداع الأعمال الفنية التمثيلية والغنائية، وبالإثمار إن كان مزارعًا، وبالصناعة والإنتاج والبناء، إلى آخره.
تحت قيادة سياسية أثبتت للعالم كله – بجدارة – شجاعتها وتحملها مسؤولية تاريخية، ستُخلَّد في ذاكرة الشعوب، ويرويها لنا التاريخ، ويحاكيها الفن، ويكتبها الأدباء، وتحكيها الأجيال صباح مساء.
أَلَا عِشتِ يا مصرُ حرةً أبيَّة… وللحديث بقية. دمتم سالمين.





















