إن العِلم يبقى هو عِماد البناء، والوعي والطريق إلى الإستقرار في ظل عالم تتشابك وتتسارع فيه التحديات، فإن كان المال والذهب قادرين على فتح الأبواب فإن المعرفة وحدها قادرة على بناء الإنسان وصياغة فكره، فإن الأوطان لا تُقاس بكثرة الموارد بل بالثقافة والعِلم والقيم والمبادئ التي يكتسبها الأبناء ولا تتبدل مع أي ظرف.
إن العملية التعليمية ليست مجرد منهج يُدرس أو إختبار يؤديه الطالب، إنما المسئولية ممتدة من العقل إلى التهذيب عبر رؤية من أهل الخبرة والمختصين، وأن يكون تطوير المناهج بفكر التجديد لا الهدم ولا التفريط مع الحفاظ على الثوابت للمجتمع الإسلامي كقيمة أصيلة، والتفاعل بصورة واعية متزنة.
وبين الحين والأخر تتجدد كل فترة قرارات تعليمية تهدف للتطوير في جوهرها يُصاحبها آمال وتساؤلات تُثير الجدل والقلق المجتمعي من تغيرات متتابعة، فإن وزارة التربية والتعليم تعمل على تحسين المنظومة والطموح لتعليم أكثر كفاءة ولكن.. هل سبق تلك القرارات الإعداد الكافي على الأرض؟ أم إن الواقع يحتاج مساحة للمعالجة أولًا والتنظيم؟ فالأراء تختلف بين ناجح وفاشل، فالتعليم ليس مجرد حضور وإنصراف وتجهيزات، بل متابعة وتوازن وأن تكون الفكرة آلية تعمل على الإستقرار لا الإرتباك بمفهوم التغيير الحقيقي وإختيار الأساليب التي تخفف العبء، والعمل على دراسة الواقع في تطبيق منظومة قبل الإنتقال إلى غيرها، ووجود الفرصة الكافية للتأقلم والتنفيذ الفعال بين كل القرارات المفاجأة التي تأتي بالتوتر المجتمعي والتي يراها المواطن البسيط إنها مرتبكة ومتخبطة وعاجلة وبعيدة تمامًا عن الإعتماد الفعلي لأرض الواقع، فإن هذا يأتي بالضغط والإرهاق النفسي على أولياء الأمور والطلبة أنفسهم، وحتى لا تتحول التعديلات المتكررة إلى فقدان الثقة في استقرار النظام التعليمي، وحتى إضافة بعض المناهج اليابانية ضمن المراحل الدراسية قد ينظر اليه كخطوة تهدف إلى الاستفادة من تجارب تعليمية متقدمة، ومع ذلك يظل نجاح هذه الخطوة مرتبط بمدى تهيئة البيئة التعليمية وتدريب المُعلمين، فالتطوير مطلوب ولكن في إطار متدرج وواضح حتى لا تتحول الفكرة إلى مجرد شكليات دون أثر حقيقي داخل الفصول الدراسية.
عام دراسي يمضي أرهق الطلبة من تقييمات دورية وإختبارات ونماذج، وفي المراحل الإبتدائية تحديدًا خاصة المدارس الرسمية بأقسامها حيث يُلاحظ إن العملية التعليمية داخل الفصول لا تسير دائمًا بفاعلية كاملة، حيث أعتمد عدد من الطلاب بشكل كبير على الدروس الخصوصية كمصدر أساسي للفهم والتحصيل، في حين تتحول بعض الحصص داخل المدارس إلى وقت غير مُستغل بالشكل الأمثل، وهو ما يثير النقاش الهادي حول دور المدرسة الحقيقي في بناء الطالب معرفيًا وسلوكيًا.
كما إن نظام الثانوية العامة والذي كان مؤثرًا في نفوس الطلبة سابقًا في التعلُم المباشر داخل المدارس أصبح الحضور لهم “تنزه” والإعتماد الكامل على الدروس الخصوصية ولا نجد بالمدارس طلبة سواء أول شهر دراسي وما يلحقه ونجد المراكز التعليمية في الشوارع مكتظة ليصبح الطالب داخل فجوة يريد من يأخذ بيده لا أن يسير على تطبيق وطريق واضح لمسار للتطوير، فإن طرح النظم الجديدة كـ”نظام البكالوريا” وإعادة الهيكلة يظل تحديًا مرتبط بمدى القدرة على التوازن بين المطلوب والتنفيذ، فإن اللحاق بالتجارب العالمية في التعليم بكافة مراحله أمر هام ولكن بخطى متوازنة تراعي الطالب وتخدم جودة التعليم.
أما ما تتحدث عنه الوزارة في كل عام عن عجز المُعلمين داخل المدارس وإجراءتها في إطلاق المسابقات والتعيين بالحصة ورغم أهمية هذه الخطوة إلا إننا نطرح السؤال حول مدى مواجهة العجز الفعلي؟ فإن الفصول قد تكون أحيانًا بدون مُعلم، فالأرقام المطروحة من الوزارة تبدو محدودة مقارنة بالإحتياج الفعلي، حيث يعادل العجز في إدارة تعليمية واحدة داخل الإسكندرية جزء كبير من الأعداد المُعلنة، ليجعلنا نبرز المتطلبات الفعلية في تعيين أكثر للمُعلمين وفتح الأبواب لخريجي الكليات التربوية لضمان العدالة التعليمية.
المنظومة التعليمية ليست قرارات فقط ومناهج بل استقرار مجتمعي وتكامل بين تقديم تعليم جيد المحتوى ومدى الوصول الفعلي، فإنه وعلى مسار تطور التعليم منذ عام 1923م والذي كان الدستور وقتها خطوة مهمة لترسيخ حق المواطن في التعليم بإعتباره حق أصيل حتى بعد التعديلات التي طرأت ودعمت مبدأ مجانية التعليم في عهد جمال عبد الناصر والتي كانت مرحلة المعرفة الحقيقية والتي عُرفت بـ”التعليم للجميع” دون تمييز طبقي، إلا إن الملامح تغيرت في المشهد التعليمي بشكل ملحوظ وأصبح الواقع أكثر تعقيدًا فإن جودة التعليم أصبحت واضحة داخل المدارس الخاصة والدولية حيث توفير الإمكانيات الأعلى جودة والمناهج الأكثر تنوع والتكاليف التي لا تكون في متناول الجميع لتخاطب شريحة من المجتمع.. وهو ما يجعلنا نطرح سؤالًا ما مدى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية بين أبناء هذا الوطن؟
نؤكد من حديثنا ضرورة تطوير التعليم، ولكن أن يكون بعيدًا عن تضارب القرارات أو خلق المناوشات بين حقيبة وزارية وأخرى، وأن يتم الدراسة التربوية الدقيقة والرؤية الموحدة، فالتعليم ليس مجالًا للتجارب بل منظومة استقرار وتخطيط وتطوير ودعم للمُعلم ورفع مكانته وتوفير بيئة آمنة للطلبة، وأن تكون السياسات ثابتة وتضمن مستقبل التعليم الجيد لأولادنا ويحقق طموح المجتمع ككل.
وبين الواقع والمأمول يظل أملنا هو بناء نظام عادل وفعال للتعليم ليحقق المساواة في الوطن بين جميع الطلبة دون تفرقة، ويعيد الدور الأساسي للتعليم والتربية في إطار التطوير الذي يراعي بوصلة القيم والأخلاق، فإن التطوير قد يحتاج صبرًا ورؤية وحوار مجتمعي ولكن يجب أن يكون الهدف بناء العقل والتقويم والسلوك حتى لا يكون مجرد عبثًا مستمرًا بين عامًا وأخر، والعمل على إصلاح التربة وتهيئتها هو الأهم لأنه إن صلحت التربة أزهرت الثمرة.





















