شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حالة من الاستنفار السياسي والديني الحاد عقب تجمهر الآلاف في ساحة “المال الوطنية” للمشاركة في تجمع صاخب أطلق عليه المنظمون اسم “إعادة تكريس الأمة تحت راية الرب”، تزامناً مع احتفالات اليوبيل الـ 250 للاستقلال. وحمل المتظاهرون لافتات وشعارات مثيرة للجدل مثل “اجعل أمريكا إلهية مجدداً”، في خطوة فجرت غضب الكيانات الليبرالية والمنظمات الحقوقية التي اعتبرت الحدث بمثابة محاولة فرض “ثيوقراطية دينية” ضيقة تنتهك الدستور وتلتف على الحريات والتعايش المشترك.
كواليس المنصة المشبوهة.. كيف تحالفت الإدارة مع قادة الإنجيلية؟
رصدت التقارير الميدانية تحول محيط نصب واشنطن التذكاري إلى مسرح لترويج سردية أن الولايات المتحدة الأمريكية تأسست كـ “أمة مسيحية” فقط، وهي الفرضية التي يرفضها المؤرخون. وتضمن البرنامج مشاركة مرئية من الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب حضور بارز لوزير الدفاع بيت هيغسيث الذي استخدم لغة دينية متطرفة في إدارة البنتاغون، ومعه وزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون. وأشرف على تنظيم الفعالية منظمة “حرية 250” المدعومة مالياً وإدارياً من البيت الأبيض، وسط اتهامات من نواب ديمقراطيين بوجود شبهات مالية وتحايل على اللجان الرسمية التي شكلها الكونغرس سابقاً لإدارة هذه الاحتفالات.
وضمت المنصة تحالفاً من كبار داعمي الإدارة الأمريكية من التيار الإنجيلي، وفى مقدمتهم باولا وايت كاين المسؤولة في مكتب العقيدة بالبيت الأبيض، والمبشر فرانكلين غراهام رئيس منظمة “سامريان بيرس”. واقتصر التمثيل غير المسيحي على الحاخام الأرثوذكسي مير سولوفيتشيك الذي يعمل معهم في لجنة الحريات الدينية، إلى جانب حضور الكاردينال الكاثوليكي تيموثي دولان والأسقف روبرت بارون، مما رسخ الانطباع بإقصاء التنوع الديني التاريخي للمجتمع.
انتفاضة الكنائس والمؤسسات اليهودية ضد “الردة الدستورية”
فجرت هذه التحركات بركاناً من الردود الغاضبة من قيادات دينية بارزة؛ حيث أكد القس أدم راسيل تايلور، رئيس منظمة “سوجورنرز” المسيحية التقدمية، أن ما يحدث يمثل خيانة كاملة لالتزام الأمة التاريخي بالحرية الدينية. وفي ذات السياق، شن الحاخام جونا دوف بيزنر، مدير مركز العمل الديني لليهودية الإصلاحية، هجوماً عنيفاً مذكراً بالتنوع التاريخي الذي ضم مسلمين ويهوداً وسكاناً أصليين، مؤكداً أن أمريكا تحمي الجميع بما في ذلك غير المؤمنين.
وامتدت المواجهات إلى الشوارع والمباني؛ حيث قامت “منظمة التحالف بين الأديان” برصد وتوجيه احتجاجات بصرية تمثلت في إسقاط شعارات ضوئية على الجدران الخارجية للمعرض الوطني للفنون تنادي بـ “الديمقراطية لا الثيوقراطية”. كما أعلنت مؤسسات مثل “مؤسسة التحرر من الدين” ومجموعة “أمريكا المؤمنة” عن تنظيم فعاليات مضادة للتأكيد على الفصل الصارم بين الكنيسة والإدارة السياسية، محذرين من خطورة تسييس العقيدة لخدمة مصالح انتخابية ضيقة، وتفتيت النسيج الاجتماعي تحت غطاء الشكر والثناء.






















