قال الخبير الاقتصادي عز الدين حسنين، في تصريح خاص لـ«الحرية»، إن البنك المركزي المصري نجح في إدارة واحدة من أكثر دورات التشديد النقدي تعقيدًا في تاريخه الحديث، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى مرحلة التيسير النقدي المدروس، في إطار تحول هيكلي من “سياسات الطوارئ وكبح التضخم” إلى “دعم التعافي وتحفيز النمو الاستثماري”.
وأوضح حسنين أن هذا التحول تجسد في خفض تدريجي لأسعار الفائدة بلغ نحو 8.25% من ذروتها التاريخية، لتتراجع من مستوى 28.25% إلى 20% للإقراض، و19% للإيداع، وهو ما يعكس ـ بحسب وصفه ـ تغيرًا واضحًا في فلسفة إدارة السياسة النقدية.
من التشديد إلى التيسير.. كيف تحركت السياسة النقدية؟
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن رفع الفائدة في المرحلة السابقة كان “إجراءً اضطراريًا ودواءً مرًا”، هدفه امتصاص السيولة من السوق، وكبح الدولرة، ومواجهة موجة تضخم غير مسبوقة، من خلال أدوات متعددة شملت عمليات السوق المفتوحة والاحتياطي الإلزامي وسياسات التعقيم النقدي.
وأضاف أن البنك المركزي لم يكتفِ بتشديد السياسة النقدية، بل اتجه أيضًا إلى رفع الفائدة على الأوعية الادخارية بالبنوك لسحب السيولة من الأفراد، قبل أن يبدأ لاحقًا مرحلة التيسير مع تراجع معدلات التضخم من مستويات قاربت 40% إلى نحو 13.8% للتضخم الأساسي و14.9% للتضخم العام.
وأكد حسنين أن سلسلة الخفض خلال 2025 وبداية 2026 تعكس “تغيرًا في تقييم المخاطر التضخمية”، حيث أصبح المسار النزولي للتضخم مستقرًا بما يسمح بتخفيف القيود النقدية تدريجيًا.
كما لفت إلى أن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلى 16% يمثل خطوة موازية تستهدف ضخ سيولة إضافية داخل القطاع المصرفي لدعم تمويل القطاعين الصناعي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
هل تنخفض الأسعار فعليًا؟
وحول انعكاس خفض الفائدة على أسعار السلع، شدد الخبير الاقتصادي على أن “تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار”، موضحًا أن انخفاض معدل التضخم يعني فقط تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار وليس العودة للمستويات القديمة.
وأوضح أن أثر خفض الفائدة يحتاج ما بين 3 إلى 6 أشهر ليظهر بشكل كامل في الأسواق، نتيجة ما يعرف بـ“الفجوة الزمنية” في السياسة النقدية، والتي تشمل إعادة تسعير المخزون القديم وبدء دورة إنتاج جديدة بتكلفة تمويل أقل.
وأضاف أن الانخفاض الحقيقي في الأسعار يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها استقرار سعر الصرف، وتوافر النقد الأجنبي للمستوردين، وانخفاض تكلفة الإنتاج، مشيرًا إلى أن تراجع الفائدة وحده لا يكفي دون استقرار في أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج.
أثر مباشر على الموازنة العامة
وفيما يتعلق بالمالية العامة، أوضح حسنين أن خفض الفائدة يمثل دعمًا مباشرًا للموازنة العامة للدولة، نظرًا لانعكاسه على تقليل تكلفة خدمة الدين الحكومي، وهو ما يساهم في خفض العجز المالي وإتاحة مساحة أكبر للإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
المواطن بين مكاسب وتحديات
وعن تأثير القرار على المواطنين، أكد الخبير الاقتصادي أن خفض الفائدة يحمل “وجهين متناقضين”؛ الأول إيجابي يتمثل في تراجع تكلفة القروض الاستهلاكية مثل التمويل العقاري وقروض السيارات والقروض الشخصية، ما يعزز القدرة الشرائية نسبيًا.
أما الوجه الآخر، فيتمثل في تأثر شريحة المدخرين وأصحاب المعاشات، نتيجة انخفاض العوائد على الشهادات البنكية تدريجيًا، وهو ما قد يدفع بعض المدخرات نحو بدائل استثمارية مثل البورصة والعقارات والذهب.
واختتم حسنين تصريحاته بالتأكيد على أن البنك المركزي يواصل “موازنة دقيقة” بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار وجاذبية الجنيه للمستثمرين الأجانب، مشيرًا إلى أن قرارات التثبيت الأخيرة تعكس نهج “التحوط والترقب” في ظل التوترات الإقليمية والمتغيرات العالمية.



















