هذا ليس قولي، وإنما ما طرحته إحدى النائبات في الكونجرس الأمريكي، وبالطبع هي نائبة ديمقراطية، حين سألت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، أمام الكونجرس: هل فقد الرئيس ترامب عقله؟ أو هل ما زال يتمتع بقواه العقلية؟، ليتهرب رجل وسكرتير ترامب للحرب من الإجابة، قائلًا: هل قمتم إبان حكم بايدن بالكشف على قواه العقلية؟، فكان ردها: بايدن ليس الرئيس، سيد هيغسيث، لتتوالى اللطمات على دجل الحرب، حين سألته: ماذا تعلمنا في إيران؟ هل كسبتم الحرب؟
قال: نعم، كسبنا ودمرنا قدرات إيران البحرية، وحاصرنا موانئها البحرية، وكبدناها الخسائر.
ليكون الرد القاطع: أنتم الذين حوصرتم، فقد حاصروا مضيق هرمز، سيد هيغسيث، وهذا لم يكن قبل الحرب. ارتفعت أسعار الطاقة، وزاد التضخم، وأنتم ما تعلمونه أنكم حاصرتم الحصار. أي مكسب، أو عن أي مكسب تتحدث، سيد هيغسيث؟ هل تعلم ماذا كلفت تلك الحرب؟ لا تعلم، سيد هيغسيث، فكل هذه الأعباء كانت من أموال دافع الضرائب الأمريكي.
ليتردد هيغسيث، ويؤكد عدم ثباته الانفعالي، ويؤكد أن الجمهوريين في ورطة، وأنهم يخوضون حربًا جُرّوا إليها من نتنياهو. فكان الكذب الواضح عندما سُئل: لماذا ذهبتم إلى هناك؟ وما النتيجة؟
كانت الإجابة متناقضة؛ قال إننا دمرنا قدرات إيران النووية بضربات B2، ثم عاد وقال إننا ذهبنا لنقضي على البرنامج النووي الإيراني حتى لا تتمكن إيران من صنع القنبلة النووية.
فكان التناقض السياسي الذي أثبت أن هيغسيث في ورطة سياسية، وأن الصبر الاستراتيجي ورهان الإيرانيين على هذا الضغط الآتي من الكونجرس، واستغلال الحصار الهرمزي، وتهديد أمن الطاقة العالمي، مما يهدد الأمن الطاقي، ويزيد التضخم وارتفاع الأسعار، ويحرج الحزب الجمهوري أمام ناخبيه، ويهدم فكرة “أمريكا أولًا”، فكرة ترامب الرائجة، يضع ترامب وإدارته، بل وحزبه، في مهب الريح والاهتزاز والاهتراء السياسي.
إن الإيراني يريد فك الحصار الاقتصادي على الموانئ الإيرانية، ويريد فك الحظر عن أمواله المجمدة، وعن تعاملاته الاقتصادية، وتعويضات عما لحقه من أضرار إبان الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والاستمرار في الاحتفاظ باليورانيوم المخصب.
ويريد الأمريكي فك حصار مضيق هرمز، وعدم الاعتداء على حلفائه، وبالأحرى إسرائيل، وعدم دعم الأذرع الإيرانية في المنطقة، ونقل اليورانيوم المخصب، أو بالأحرى تسليمه للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إن معركة الصبر الاستراتيجي التي تنتهجها إيران، مستغلة حصار مضيق هرمز، وأيضًا ذات الصبر الاستراتيجي الذي يستغله الأمريكي دونالد ترامب بحصاره للموانئ الإيرانية، تجعلنا نتساءل: من يصمد للنهاية؟
الأمريكي أم الإيراني؟
إلا أن الحقيقة أن الطرفين يريدان إنهاء الصراع والحرب، لكن ترامب في موقف لا يُحسد عليه، حتى لا يكون في موقف حرج أمام ناخبيه، الذين طالما انتقدوا، بل ووبخوا، أوباما في اتفاقه مع الإيرانيين عام 2015، ولذلك لن يقدر أن يتنازل أكثر من السقف الذي تم التفاوض عليه مع أوباما.
وإن التخلص من اليورانيوم المخصب بنقله خارج إيران هو المكسب الحقيقي لترامب، ليعود إلى ناخبيه ويرفع شعار الفوز والانتصار، حتى لو كان هذا النقل إلى الصين أو روسيا أو حتى باكستان الوسيط.
وإني إذ أرى أن دونالد ترامب فقد أشياء كثيرة بعد الحرب؛ فقد شعبيته، وفقد الثقة من حلفائه في المنطقة، وأعطى فرصة للديمقراطيين ليزيدوا من طعناتهم للحزب الجمهوري، واستطاع نتنياهو أن يقنعه بحرب خاطفة، كحربه مع فنزويلا والقضاء على مادورو والتخلص منه، فإن إيران، البلد القائم على العقائدية الدينية، ليست فنزويلا.
وما بين فقدٍ وفقد، يظل ساكن البيت الأبيض لغزًا محيرًا للجميع.




















