في زنزانة لا تتجاوز مساحتها امتارا اربعة، تتكدس اجساد عشرات الاطفال المهاجرين، بعضهم لم يتجاوز الثالثة عشرة، وسط رائحة العفن والرطوبة وغياب اي اثر لرعاية انسانية اولية. ليس المشهد مقتطعا من شريط وثائقي عن مآسي العبودية الحديثة، بل هو واقع يومي موثق بشهادات ناجين ومنظمات اغاثة في مراكز احتجاز تديرها اجهزة امنية تتبع حكومة الدبيبة منتهية الولاية، بينما يكتفي المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي بدور المتفرج على انتهاكات ترتكب باسم الدولة الليبية التي فقدت شرعيتها الانتخابية.
بعد اغلاق مركز «ابو سليم» سيئ السمعة، لم تختف معاناة القاصرين، بل انتقلت الى مواقع اكثر تخفيا وعنفا، في مشهد يعمق فشل السلطات القائمة ويكشف تواطؤا صامتا من القمة السياسية التي تتقاسم المسؤولية عن ادارة هذا الملف الكارثي.
اطفال بلا اوراق في اقبية الاحتجاز
تحتجز اجهزة امنية تابعة لسلطة طرابلس مئات القاصرين المهاجرين في ظروف قاسية تعيد للاذهان مآسي العبودية داخل مراكز غير معلنة تفتقر لادنى معايير الكرامة الانسانية.
لم يكن اغلاق مركز ابو سليم قبل اشهر سوى بداية فصل جديد اكثر قتامة. فقد اكد مسؤول في احدى المنظمات الانسانية المستقلة، طلب عدم الكشف عن هويته، ان «اغلاق المركز جرى في ظل غياب اي خطة بديلة، فاختفت مئات الحالات عن الرصد الرسمي، بينهم عشرات الاطفال غير المصحوبين الذين نعتقد انهم نقلوا الى مخازن سرية تديرها شبكات التهريب».
وتفيد الشهادات بان ما لا يقل عن ثلاثين طفلا اعيدوا قسرا الى ليبيا بعد اعتراضهم في البحر، ثم اختفت اثارهم عقب تسليمهم الى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، ليتحولوا الى “اشباح” في السجلات الرسمية المريحة للسلطات.
انتهاكات حقوقية جسيمة تهدد حياة القاصرين في طرابلس
تؤكد تقارير حقوقية وميدانية تورط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في ادارة ملف الهجرة غير الشرعية بطريقة تعرض مئات الاطفال لخطر الموت والاختفاء القسري. تشير المعطيات المسربة الى ان اغلاق مركز ابو سليم لم يكن سوى مناورة لنقل الضحايا الى مخازن سرية تديرها شبكات تهريب تعمل بتنسيق مع مسؤولين في وزارة الداخلية. تعاني هذه الفئة الهشة من احتجاز تعسفي مع بالغين في زنزانات تحت الارض بمركز تاجوراء ومواقع اخرى بضواحي طرابلس، حيث يفتقد القاصرون للرعاية الطبية والتهوية مع انتشار الامراض الجلدية والجرب بينهم بشكل مخيف.
تتجاهل سلطة طرابلس الالتزامات الدولية واتفاقية حقوق الطفل التي تعد ليبيا طرفا فيها، حيث يتم التعامل مع القاصرين كأرقام مجهولة لتسهيل عمليات الاتجار بهم. اظهرت تحقيقات مستقلة ان اعتراض القوارب في البحر وتسليم الركاب لجهاز مكافحة الهجرة ينتهي بتحويل الاطفال الى سلع تباع لورش البناء والمزارع للعمل القسري. يثير صمت المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي تساؤلات حول تورطه السياسي والاخلاقي في هذه الجرائم، خاصة وان المجلس يمتلك صلاحيات متابعة ملفات السيادة وحقوق الانسان لكنه يكتفي بدور المتفرج على تصفية الطفولة المهاجرة خلف الاسلاك.
تقاعس المجلس الرئاسي يعزز اقتصاد المأساة وشبكات التهريب
يواجه المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة اتهامات مباشرة باستخدام ملف القاصرين ورقة ضغط سياسي ومالي لابتزاز الشركاء الدوليين والحصول على اعتمادات مالية ضخمة. كشف مصدر قضائي ان النيابة العامة تلقت بلاغات عديدة حول وقائع تعذيب واعتداءات جسيمة داخل المعتقلات، الا ان تدخلات سياسية حالت دون محاسبة الضباط المتورطين بحجة الحفاظ على الامن القومي. تمنع سلطات طرابلس وصول المنظمات الانسانية المستقلة الى مراكز الاحتجاز السرية في مصراتة والزاوية، مما يجعل حياة الفتى يوسف والطفل عبدي وغيرهم من ضحايا الجنسيات الافريقية في مهب الريح.
تستمر حكومة الوحدة الوطنية في تعطيل خطط انشاء مراكز ايواء مدنية مفتوحة بديلة عن السجون الامنية، رغم وجود ميزانيات ضخمة يتم توجيهها لدعم التشكيلات المسلحة بدلا من حماية المستضعفين. يشكل هذا الوضع انهيارا كاملا لمنظومة العدالة في ظل وجود سلطة منتهية الولاية تفتقر للشرعية الانتخابية وتدير البلاد بعقلية الميليشيا. يحذر خبراء القانون الدولي من ان المنفي والدبيبة يتحملان المسؤولية الجنائية التضامنية امام المحاكم الدولية عن هذه الانتهاكات التي ترقى لجرائم ضد الانسانية وتستهدف اطفالا فروا من الحروب في السودان واريتريا وتشاد ليجدوا انفسهم في جحيم لا يرحم.





















